مشروع عاطفي

مشروع عاطفي

28-08-2026 01:58 PM

لكل واحد منا قصة لا يفهمها الآخرون… قصتي، ببساطة، هي سيارة.

ليست فارهة، ولا حديثة، ولا حتى ملفتة للنظر، لكنها تحمل من الذكريات والتفاصيل ما يجعلها أقرب إلى «أرشيف متنقل» منها إلى وسيلة مواصلات. ومع مرور الوقت، اكتشفت أن علاقتي بها لم تعد ميكانيكية بقدر ما أصبحت عاطفية بامتياز؛ فيها شيء من الوفاء، وشيء أكبر من الصبر.

لست ممن يبالغون في التعلق بالأشياء، إطلاقًا. أنا فقط، إذا سمعت منها «طَقّة» خفيفة، أتعامل معها وكأنها استغاثة إنسانية عاجلة، فأهرع إلى الميكانيكي أسرع من سيارة إسعاف في مهمة طارئة.

وقد يظن البعض أنني أبالغ، لكنهم لم يعيشوا تجربة امتلاك سيارة من طراز «العِشرة الطويلة»، حيث تتحول العلاقة من مجرد قيادة إلى شراكة حياة، فيها من الوفاء أكثر مما في بعض العلاقات البشرية.

سيارتي المتواضعة، «كيا سيفيا»، التي تُصنّف في الأردن ضمن السيارات الشعبية الاقتصادية، استطاعت خلال خمسة عشر عامًا أن تعيد تعريف كلمة «اقتصادية» بطريقة فلسفية عميقة.

فمن حيث المبدأ هي اقتصادية، لكن من حيث الواقع فقد كلفتني، بين سعرها وصيانتها وقطع غيارها، ما يقارب عشرة آلاف دينار خلال هذه السنوات.

ومع ذلك، أُقسم بكل ثقة أنني لست نادمًا. بل أشعر أنني استثمرت في مشروع عاطفي طويل الأمد، لا في وسيلة نقل.

ومؤخرًا قررت أن أمنحها فرصة جديدة للحياة. خضعت لعملية إعادة تأهيل شاملة: تصفيح، ودهان، وتشييك كهرباء وميكانيك، وكأنها خرجت من برنامج خاص بتحويل السيارات المستعملة إلى عرائس.

باختصار، كانت عملية «نفض» كاملة أعادت لها شبابها، وأعادت لي شيئًا من الفخر بها.

بعد أن كنت أركنها بعيدًا في المناسبات والزيارات، أصبحت الآن أوقفها على أبواب المضافات والصواوين، وكأنها سيارة آخر موديل.

وقبلها كنت مدعوًا إلى حفل، فقمت بإيقافها بكل ثقة بجانب سيارة راعي الحفل… ولمَ لا، ورائحة الدهان لا تزال تفوح منها.

لكن، وكما هي العادة، لا تكتمل أي قصة أردنية من دون موقف يليق بها.

بعد أن أنهى معلم البودي، أبو راشد، اللمسات الأخيرة على السيارة، تلقيت اتصالًا من وليد، صاحب محل الدراي كلين، الذي كنا قد وضعنا عنده، قبل 44 يومًا، محتويات السيارة بالكامل، احتياطًا من الغبرة والدهان.

طلب مني وليد رقم أبو راشد للتنسيق معه. وبكل ثقة، رغم أن نظارتي كانت في إجازة رسمية، دخلت إلى سجل الهاتف وبحثت عن «أبو راشد بودي».

المشكلة أن هاتفي، حفظه الله، يحتوي على سبعة أسماء لراشد، وكلهم في نظري، من دون نظارة، نسخة واحدة.

أعطيته الرقم… وهنا بدأت الملحمة.

لم تمضِ دقائق حتى عاد وليد يتصل، بنبرة تجمع بين الشك والدهشة:

«يا رجل، معلم البودي شكله مش ناوي يشتغل… وبنكر حاله!»

قلت له: «كيف يعني؟»

قال: «حكيت معه، قال لي: أنا راشد، مش أبو راشد!»

فقلت له بكل براءة: «طيب، أعطيني الوالد.»

رد الرجل: «إنت بتتخوث؟ أبوي متوفى من عشرين سنة!»

وهنا تحولت المكالمة إلى مناظرة فلسفية حول الهوية والأنساب، وانتهت، بطبيعة الحال، بأن «يسكّر الخط بوجهه»، قبل أن يسألني وليد بلهجة لا تخلو من العتب:

«برضيك هيك؟»

وقفت للحظة وقلت في نفسي: «وحّد الله… معقول يعمل هيك؟»

لكن الحقيقة كانت أكثر بساطة… وأكثر إحراجًا.

فقد اكتشفت لاحقًا أنني لم أعطه رقم معلم البودي أصلًا، وإنما رقم زميل صحفي، وجد نفسه فجأة في مواجهة قضية وجودية حول أب متوفى ومهنة لم يمارسها يومًا.

قلت لنفسي: يبدو أن السيارة لم تكتفِ بأن تكلفني عشرة آلاف دينار، بل قررت أن تدخلني في أزمات اجتماعية أيضًا.

ولأن الحكاية لا تكتمل من دون «عين» و«حسد»، لم تمضِ أيام قليلة حتى زارت السيارة الميكانيكي مرة أخرى، ولكن هذه المرة وهي محمّلة على ونش.

وبعد الفحص، تبين أن الجير «فرّط مسننات».

قلت في نفسي: «بالحديد ولا بالعبيد».

وبعدها اتصل بي فنان زميل، وقال لي بكل جدية:

«إنت محسود ومضروب بحجر كبير… ولازم تذبحلك ذبيحة عن العين.»

رددت عليه:

«على إيش؟ لسيارتي تسلا ولا جي كلاس؟!»

ضحكنا، وانتهى الأمر.

لكن الحقيقة أنني، رغم كل ما دفعته السيارة من أعصاب ووقت ومال، ما زلت متعلقًا بها.

فهي لم تعد مجرد سيارة. إنها جزء من ذاكرتي، ورفيقة سنوات طويلة، وحاملة أسرار ومشاوير ومواقف لا يمكن أن تختصرها فاتورة صيانة.

خمسة عشر عامًا من العِشرة، وما يقارب عشرة آلاف دينار من الحب والصيانة وقطع الغيار… وما زلت، عند سماع أول «طَقّة»، أركض بها إلى الميكانيكي وكأنها فرد من العائلة.

والفرق الوحيد هذه المرة أنني سأذهب إليها بنظارتي.

أما إذا سألتموني إن كانت للبيع، فالإجابة واضحة:

السيارة مش للبيع.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد