الطالب الغاضب يعود
09-10-2026 05:45 AM
ثمة شيء تغير في جامعات العالم ومدارسه، فالطالب الذي أمضت الثقافة المعاصرة سنواتها الأخيرة، وهي تصفه بالكائن الرقمي، المنصرف إلى هاتفه، المنشغل بهويته الفردية وعالمه الافتراضي، بدأ يستعيد واحداً من أقدم أدواره السياسية: الاحتجاج.
من باريس إلى بلغراد، ومن الجامعات الأمريكية إلى مدن أوروبية وآسيوية عديدة، عاد الشباب إلى لعبة الاعتصامات والمسيرات واحتلال الحرم الأكاديمي والاشتباك مع قوات مكافحة الشغب، فكأن السياسة التي تحولت منذ بعض الوقت إلى شبح هائم على الشاشات قد عثرت من جديد على جسدها الذي فقدت.
تستدعي المشاهد، التي تعرضها الفضائيات عن تظاهرات طلاب فرنسا المستمرة في أسبوعٍ ثانٍ، على نحو شبه تلقائي، ذكريات 1968، حين تحولت الجامعات إلى بؤر تمردٍ عالمي، وتظاهر الطلاب وهم يحملون يقيناً بأن المجتمع قابل لإعادة البناء من أساسه. غير أن التشابه ينتهي تقريباً عند صورة الطالب في الشارع مشتبكاً مع رجال الأمن، ففي خلفية الصورة يقف عالمان مختلفان تماماً: طالب 1968 خرج مدفوعاً بفيض من الأفكار واليوتوبيا والمثاليات، ونسخته في 2026 يخرج تحت ضغط القلق. الأول كان يطمح لعالم جديد، والثاني يحاول اقتطاع موقع آمن داخل عالم يتبدل بأسرع من قدرته على استيعابه. وبين الإثنين تبدلت الجامعة، والعمل، والسياسة، والتكنولوجيا، وحتى فكرة المستقبل نفسها.
من الثورة على العالم إلى الخوف منه
لقد امتلكت أجيال الستينيات قاموساً فكرياً صريحاً، فكانت تعرف بدقة أسماء خصومها، كما فضاءات أحلامها. الرأسمالية، الإمبريالية، السلطة الأبويّة، الحرب، المجتمع المحافظ. وعلى الضفة المقابلة كانت هناك شعارات الاشتراكية، والتحرر، والمساواة، والثورة الجنسية، والديمقراطية المباشرة. وهكذا كانت الخريطة إلى المستقبل واضحة حتى حين كانت الأفكار متناقضة أو عبثية.
أما جيل زد فيبدو وكأنه يتخبط أمام خريطة أكثر ضبابية، فأخصامه موزعون بين مالك العقار، والبنك، والخوارزميات، ورسوم الجامعة، وسوق العمل، وأزمة المناخ، والحروب، والإبادات، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة سياسية يشعر كثير من الشباب بأنها تتحدث بلغة لا تعبّر عنه.
لهذا يحمل غضب طلاب 2026 طبيعة مغايرة لما سبق. إنه غضب نابع من شعور بأن المستقبل، الذي قدمته الحداثة طوال قرنين بوصفه وعداً بالتقدم، أصبح مصدراً للهلع، وكل تطور تقني يفتح باباً جديداً، ويفتح معه سؤالاً عن الوظائف والمهارات وقيمة العامل الإنساني بعدما باتت التخصصات الجامعية غير ذات صلة بتحولات سوق العمل المتسارعة، ناهيك أن الشهادة تأتي ومعها دين ثقيل قبل أن تدر على حاملها فِلساً.
وحتى مفهوم النجاح تغير، فالمسار الذي كان يبدو بسيطاً لجيلنا – من الدراسة، إلى الوظيفة، ثم تأسيس منزل، ورعاية أسرة، فتقاعد مريح – تحول إلى سلسلة من الاحتمالات كما رمال متحركة، حيث الاقتصاد الرقمي يعيد تعريف المهن، والذكاء الاصطناعي يبعثر التخصصات، والسكن يبتلع نسبة متزايدة من الدخل، فيما العمل المستقر صار أسطورة من زمن غابر.
لقد أراد طالب الستينيات القبض على عنق التاريخ وتغيير مساره، لكن طالب اليوم يرجوه لاهثاً أن يبطء قليلاً كي يستطيع اللحاق به. الطالب الغاضب الجديد ليس مفتوناً بالثورة، بل إنسان قلق تأكله هواجس هشاشة حياته المقبلة.
تحولات أدوات الغضب
كان للثورة الطلابية القديمة طقوس واجتماعات وبيانات وتنظيمات وصحف ومفكرون يقودون الصفوف ويمنحون المفردات. وكانت السياسة تتطلب وقتاً معتبراً: للاجتماع، ومناقشة مضمون المنشور، ومن ثم تدبرّ أمر طباعته وتوزيعه، قبل الخروج إلى الشارع.
أما اليوم، فقد تبدأ الانتفاضات بصورة، أو مقطع فيديو، أو وسم يتداوله آلاف المستخدمين، وخلال ساعات يستطيع حدث محلي أن يتحول إلى قضية وطنية، ثم إلى مادة تتناقلها شبكات عابرة للحدود من الشباب الذين تجمعهم الحساسية السياسية والاجتماعية أكثر مما يجمعهم التنظيم الواحد. ففي بنغلادش، ساهم انتشار مقاطع عن مقتل الطالب أبو سعيد برصاص الشرطة (يوليو 2024) في تأجيج احتجاجات طلابية اتسعت حتى أطاحت بحكومة الشيخة حسينة. وفي المغرب، انتقلت الدعوات التي أطلقتها حركة جيل زد 212 عبر المنصات الرقمية في سبتمبر/ايلول 2025 إلى الشوارع، لتتحول المطالب بتحسين الخدمات الصحية والتعليمية إلى موجة احتجاجية شملت مدناً عديدة. وفي الحالتين، أظهرت التعبئة الرقمية قدرتها على تسريع انتشار الغضب الشعبي وتنسيق التحركات، وإن اختلفت طبيعة التنظيم والنتائج السياسية بين التجربتين.
لكن قوة الشكل الجديد من الاحتجاج، تحمل معها تهافتها. فالخوارزميات قادرة على الحشد بسرعة تتجاوز قدرات الأحزاب والنقابات القديمة، لكنها تدفع السياسة أيضاً إلى إيقاع سريع، قائم على الانتباه اللحظي. ولذلك فإن القضية التي تشغل ملايين المستخدمين اليوم قد تزاحمها قضية أخرى غداً، والزعيم التاريخي يحل مكانه مؤثر مسطّح هوائي، والبيان المطول تحل محله جملة تصلح وسماً (هاش تاغ) للصورة والفيديو.
ومع ذلك تكشف عودة الطلاب إلى الشارع عن أن الجيل الذي طالما صُوّر باعتباره أسير العالم الافتراضي يعيد اكتشاف قيمة الحضور المادي على الأرض. فالشاشة تطلق شاشة الغضب، لكن الميدان هو ما يعطيه قيمة اجتماعية ضاغطة، ويحول الأفراد الافتراضيين إلى جماعة فاعلة، ولهذا تحديداً تثير الاحتجاجات الطلابية قلق السلطات دائماً. فالطالب بعكس العامل يمتلك مورداً بالغ الأهمية: رفاهيّة الوقت، ومع ملايين الشباب الذين يشتركون في فضاء افتراضي واحد، ويعيشون الظروف نفسها، ويتبادلون الأفكار بسرعة، تصبح القضايا مادة سياسية قابلة للاشتعال بما يفوق قدرة السلطات على احتوائها.
غضب بلا أيديولوجيا وانتفاضة بلا يوتوبيا
بين صور انتفاضات الستينيات بالأسود والأبيض، ومقاطع الفيديو الملونة من قلب الحدث في تظاهرات باريس يتبدى الفارق الأكبر بين الجيلين وكأنه اختصر كلمة واحدة: منسوب الأمل.
طلاب الستينيات المؤدلجين امتلكوا فائضاً منه، لقد آمنوا بأن التاريخ يسير نحو مكان أفضل، وأن إرادتهم تستطيع دفعه في الاتجاه المطلوب. أما جيل اليوم فيمتلك وفرة من المعلومات وندرة في اليقين، ومن هذه المسافة يولد الغضب.
إن عودة الطالب إلى الشارع ظاهرة تتجاوز السياسة اليومية، فكأنها إشارة إلى أزمة أعمق في العلاقة بين الأجيال والمستقبل، ففي 1968 خرج يحمل منشورات مطبوعة ليقول إنه يريد تغيير العالم، وها هو في 2026 يخرج يحمل هاتفاً ذكياً وديوناً متراكمة وعدداً لا نهائياً من الاحتمالات، ليسأل هذا العالم عن المكان الذي تركه له.
وبين هاتين اللحظتين تحولت مادة الغضب الطلابي من يوتوبيا لتغيير المستقبل إلى معركة انتزاع قطعة من الحاضر.
نحو مقاربة أردنية جديدة تجاه إسرائيل
الانتخابات الفلسطينية أم المشروع الوطني: أيهما له الأولوية؟
العراق والانسحاب الأمريكي: متى جفّت دماء المستنقع؟
منع الأراجيل في حدائق الأردن .. مخاطر خفية!
كيفية تحميل فيديوهات فيسبوك بجودة 1080p مع الصوت .. الأسباب والحلول
قبل الخروج الجمعة .. تعرف على درجات الحرارة في محافظات الأردن
أخطر ثلاثة مشاريع يمينية بعد طوفان الأقصى .. والمسمار الأخير في نعش الاحتلال
50 باحثًا من الجامعة الأردنية ضمن أفضل 2% عالميًا
المبالغة في اعداد الادارات الاكاديمية في الجامعات
23 باحثا من اليرموك ضمن أفضل 2% من علماء العالم - أسماء
الاقتصاد الإيراني: اختبار التحويل لا اختبار الموارد
جملة للفنان زهير النوباني تشعل ردود الفعل .. ماذا قال وكيف رد الأردنيون
تصعيد صهيوني واسع جنوب لبنان بالتزامن مع مقتل ضابط وإصابة 3 عسكريين
بعد 18 عاماً من أول محاولة .. هل يصنع الأردن سياراته أخيراً وكم ستنخفض أسعارها؟
قطع أراضٍ سكنية بانتظار الأردنيين .. من يحق له الاستفادة
الأردنيون على موعد مع أمطار وسيول .. وهذا موعد الذروة
شتوة الزيتون ليست كما يعتقد الأردنيون .. خبراء يحسمون الجدل
قبل التوجه للمعصرة .. خطأ شائع في نقل الزيتون يفقدك جودة المحصول
مقتل الأردني محمد الحشايشة في شيكاغو .. تفاصيل اللحظات الأخيرة داخل متجره
تنكة الزيت قد تتجاوز 100 دينار .. وارتفاع مرتقب لأجور العصر
ملامحه صينية ولهجته أردنية .. قصة يوسف يو الذي حوّل اختلافه إلى جسر بين عالمين
انخفاض جديد على أسعار الذهب في الأردن .. وهذا سعر عيار 21
حوادث وجرائم مروعة تهز قلوب الأردنيين .. تفاصيل ما حدث
التوجيهي إلكتروني هذا العام .. التربية تكشف تفاصيل الامتحان الجديد
بعد اختراق FBI .. الأردن يطيح بعضو بارز في مجموعة قرصنة وابتزاز رقمي
بعد اتهام الأردن بالتقصير .. الداخلية توضح أسباب أزمة جسر الملك حسين
هآرتس: وثيقة إسرائيلية تصنف مصر والأردن "عدوتان"
حشد 100 ألف جندي .. السعودية تجهز ضربة عسكرية واسعة للحوثيين