في فرنسا: صار للدخان جواز سفر

في فرنسا: صار للدخان جواز سفر

22-10-2026 07:13 AM

لو كان للدخان جواز سفر، لوجد بعض السياسيين الوقت لتفتيشه قبل استدعاء الإطفاء. سيطلبون منه اسمه الكامل، وبلد ولادة جده، وربما شهادة تثبت أنه لم يتعلّم الاشتعال في الضفة الأخرى من المتوسط. أما النار، فلتنتظر قليلاً. الجمهورية مشغولة بتحديد أصل الرماد، وهذه مسألة أكثر إلحاحاً، على ما يبدو، من إنقاذ البيت.
أتابع صور فرنسا، وأفكّر في هذه القدرة العجيبة على اختصار بلد كامل في وجه غريب. مدارس متعبة، معيشة تضيق، شباب يخرجون إلى الشوارع، ثم واجهات زجاج تكسّر ومحال تنهب. وبين مطلب يرفع وواجهة تسقط، يظهر المهاجر في الخطاب كأنه الموظف الوحيد، الذي لم يتغيّب عن عمله: مسؤول قسم الكوارث، متاح على مدار الساعة، بلا راتب ولا حق في الاستقالة.
بدأت الاحتجاجات من غضب طلاب على نقص المدرّسين وتردّي مرافق التعليم، واتّسعت إلى مطالب تتعلّق بالخدمات العامة ومستوى المعيشة. هذه بداية لها أبواب وصفوف ومقاعد، ويمكن فهمها من دون الاستعانة بخبير في الأنساب. لكن شرح نقص المدرّسين يحتاج إلى مراجعة سياسات وميزانيات، فيما اتهام المهاجر لا يحتاج إلا إلى ميكروفون. والميكروفونات، لحسن الحظ، لم تشملها إجراءات التقشّف.
أتخيّل تلميذاً يحمل دفتراً، يحاول أن يشرح أن مستقبله يبتل تحت سقف المدرسة. وقبل أن يكمل جملته، يطالبه أحدهم بإثبات انتمائه. جاء يسأل عن أستاذ، فإذا به أمام لجنة تفحص محبّته للوطن. عليه أولاً أن يحب السقف المثقوب، ثم يشكر المطر على زيارته، وبعدها يمكن النظر في طلبه، حين تتحسّن الأحوال الجوية والانتخابية.
وفي الصور أيضاً أصحاب متاجر يتفرّجون على تعبهم مبعثراً. لا أجد في نهب محل صغير بطولة، ولا أرى في سرقة مجوهرات برنامجاً لإصلاح التعليم. خلف كل واجهة حسابات مؤجّلة، وقرض، وعائلة تنتظر عودة صاحبها مساءً. اللص يسرق البضاعة، ثم يأتي من يسرق الحادثة نفسها، يحملها إلى المنبر ويبيعها دليلاً على إدانة أناس لم يقتربوا من المكان.
توقّفت عند المقطع المتداول لرجل يحاول اقتحام متجر، فيسقط عليه ما كان يعبث به. تختلف الروايات المصاحبة للصورة بين باب ولافتة، لكن المشهد يحمل مفارقته: الشيء المراد كسره يردّ الضربة. للحظة، تبدو الجاذبية أكثر التزاماً بالمسؤولية الفردية من بعض الخطب… فقد أصابت من كان أمامها، ولم تطلب معاقبة أقاربه أو الجالية التي قد ينتمي إليها.
أمّا في سوق التصريحات، فالمسافة بين حجر واتهام جماعي قصيرة جداً. دعا جوردان بارديلا إلى وقف الهجرة في تعليقه على أعمال الشغب. هكذا يصبح إصلاح الحدود جواباً عن خراب الداخل، كأن المعلّم الغائب محتجز عند نقطة عبور، وكأن الإيجار المرتفع وصل في قارب. يا لها من وصفة اقتصادية مريحة: أغلق الباب، وسيتواضع سعر الخبز من تلقاء نفسه.
ومن وراء الأطلسي، ربط ترامب الاضطرابات بالهجرة أيضاً. لم تعد فرنسا بحاجة إلى الإصغاء لأبنائها. هناك من يسمع نواياهم عن بعد، ويعرف سبب غضبهم قبل أن يفتحوا أفواههم. الطالب يظنّ أنه يحتج على مدرسته، والعامل يظن أنه يتحدّث عن راتبه. يا لسذاجتهما، يبدو أن صاحب التشخيص يعرف عن معدتيهما أكثر ممّا يعرفانه عن الجوع.
لعل أجمل ما في المتّهم الجاهز أنه يوفّر على المسؤول مشقّة السؤال. لا حاجة إلى معرفة كيف تراكم الغضب، ومن ترك خارج الفرص، ومن حوّل المظاهرة إلى فرصة للسرقة، يكفي تعليق صورة المهاجر على باب الأزمة، عندها يستطيع الجميع النوم، باستثناء الذين احترقت متاجرهم، والذين بقيت مدارسهم باردة، والمهاجر الذي عليه غداً أن يذهب إلى عمله.

وطن للاستخدام المشروط

أتخيّل ذلك المهاجر في الصباح التالي. يطوي خبر الاتهام داخل هاتفه، ويخرج ليكنس شارعاً لم يشعل فيه عود ثقاب، على الرصيف زجاج أسود، وفي البيت طفل سأله مساءً: هل يكرهوننا؟ لم يعرف كيف يجيب، رتّب الغطاء فوق كتفيه، كما لو أن ترتيب الغطاء يستطيع ترتيب العالم، وقال له إن عليه أن يستيقظ مبكراً للمدرسة.
هذه هي المساحة التي لا تدخل نشرات الغضب: المسافة بين يد الأب وحافة البطانية. هناك تدفع الفاتورة الحقيقية للكلام الكبير، فالتعميم لا يبقى في الاستوديو، حيث الإضاءة موزّعة بعناية والضيوف يشربون الماء. يخرج إلى الحافلة، وإلى باب العمل، وإلى نظرة زميل في الصف، الجملة التي تمنح صاحبها تصفيقاً قد تمنح طفلاً سبباً جديداً ليكره اسمه.
وللمهاجر، في هذا المنطق، مواطنة قابلة للسحب المعنوي. حين يعمل ويدفع ويصمت، يسمح له بالوقوف داخل الصورة، وحين تقع جريمة ارتكبها شخص يشبهه، يستدعى إلى خارجها لتقديم الاعتذار. قد يكون مولوداً في البلد، ولا يعرف وطناً سواه، لكن أصله يبقى حقيبة يجهّزها له الآخرون كلما احتاجوا إلى إرساله بعيداً، ولو بالكلمات.
تذكّر تقارير التحقّق أن تحميل المهاجرين جماعياً مسؤولية الاضطرابات لا تسنده الأدلة المتاحة. لكن الدليل ضيف ثقيل على الحملة الانتخابية، يدخل ببطء، ويسأل عن التفاصيل، ويفسد حرارة التصفيق. أمّا الشبهة فخفيفة الحركة، تصل قبل التحقيق، وتختار أفضل مقعد، وتستطيع أن تظهر في عشر شاشات في الوقت نفسه، مرتدية ثوب الحقيقة المكويّ بعناية.
ليحاسب من أحرق وسرق واعتدى، باسمه وفعله ودليله. هذا مطلب يحمي صاحب المتجر كما يحمي المتظاهر والمهاجر. أمّا تحويل الجريمة إلى صفة وراثية، فيعني أن العقوبة تستطيع الوصول إلى المهد قبل أن يصل الطفل إلى الشارع، أيّ عدالة هذه التي تجد المتّهم في شجرة العائلة، وتترك الفاعل الحقيقي يختبئ خلف غابة من الوجوه؟
وأفكّر في صاحب متجر قد يكون مهاجراً هو أيضاً. ماذا يفعل حين ينهب رزقه، ثم يسمع أن أمثاله سبب النهب؟ هل يعتذر لواجهته المكسورة عن أصوله؟ هل يرفق طلب التعويض باعتراف يبرّئ السارق ويدينه هو؟ للسخرية السوداء هنا مكتب استقبال، وعلى الضحية أن تسحب رقمين: رقماً لاسترداد حقّها، وآخر للدفاع عن حقّها في أن تكون ضحية.
ليس الغضب شيكاً مفتوحاً للتخريب، وليس الخوف من التخريب تفويضاً لمحو البشر. وبين الاثنين حياة تحتاج إلى سياسة تعرف الأسماء والتفاصيل، وتقبل أن إصلاح مدرسة أقلّ صخباً من اتهام جالية، لكنه أنفع للطفل الذي ينتظر الدرس. غير أن المدرسة بعد إصلاحها لا تهتف لزعيم، والسبّورة الجديدة لا تمنحه مقابلة تلفزيونية. لذلك قد تتأخّر قليلاً، إلى ما بعد الخطاب.
وربما كان الامتحان الأصعب للجمهورية أن تنظر إلى هذا العامل من دون أن تطلب منه عرضاً للبراءة. أن تراه متعباً فحسب، خائفاً على أجره وطفله، لا ممثّلاً لقارّة ولا ناطقاً باسم دين. الناس لا يحملون أوطانهم كأدلّة جرم في جيوبهم، يحملون مفاتيح وفتات خبز وصوراً صغيرة، وأحياناً وصفة دواء لأمّ بعيدة تنتظر اتصالاً يطمئنها إلى أن ابنها ما زال بخير.
في آخر الليل، أتخيّل فرنسا امرأة تجلس أمام بيتها المتضرّر. تمدّ يدها إلى حجر ساخن، وتسأل من سيصلح الجدار، يتقدّم خطيب ليشرح لها أصل البنّاء، ويتقدّم آخر ليشكّك في ولاء الجيران، وحده عامل متعب ينحني ليلتقط الركام، لا يسأله أحد عمّا يشعر به، يحتاجون إلى يديه الآن. أمّا اسمه، فسيفحصونه عندما ينتهون من إنقاذ البيت.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد