عقوبات الفيفا على مصر

عقوبات الفيفا على مصر

22-10-2026 07:15 AM

أعاد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) فتح ملف الجدل الذي أعقب إقصاء المنتخب المصري أمام الأرجنتين من ثمن نهائي كأس العالم 2026، لكن هذه المرة من بوابة العقوبات الانضباطية التي طالت عناصر من منتخب مصر، في قرارات أثارت تساؤلات بشأن حدود انتقاد التحكيم ومدى تناسب العقوبات مع التصريحات الصادرة عقب المباراة.
العقوبات جاءت قاسية في آثارها، إذ تقرر إيقاف المدرب حسام حسن ومدير المنتخب إبراهيم حسن ثلاث مباريات لكل منهما، فيما عوقب نجم الفريق زيكو بالإيقاف خمس مباريات، على خلفية التصريحات والأحداث التي أعقبت مواجهة مصر أمام الأرجنتين. لكن السؤال الذي يستحق النقاش ليس إذا كان الفيفا يملك سلطة معاقبة المخالفات الانضباطية، بل ما طبيعة المخالفات، وهل تتناسب العقوبات معها؟
لا خلاف على أن المسؤولين واللاعبين مطالبون باحترام المؤسسات الرياضية والحكام، وأن الاحتجاج على القرارات التحكيمية لا يبرر الإهانة أو توجيه اتهامات خطيرة من دون أدلة. غير أن احترام المؤسسات لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة من النقد، كما لا يجوز اعتبار كل تعبير عن الغضب بعد مباراة مصيرية مخالفة تستوجب العقوبة. فالمباراة شهدت قرارات أثارت اعتراض الجانب المصري، من بينها إلغاء هدف لزيكو والمطالبة بركلة جزاء في وقت متأخر، وهي قرارات أدت الى اقصاء المنتخب المصري وسط مشاعر الإحباط والاحتجاج، وهذه الظروف تفسر حدة ردود الفعل، وإن كانت لا تعفي أصحاب التصريحات من مسؤولية ما يقولونه ويفعلونه.
المشكلة أن الانتقاد الفني للحكم يختلف عن اتهامه بالتعمد أو التشكيك في نزاهة المنافسة. ولكل حالة تقديرها القانوني، بناء على مضمون التصريحات وسياقها والأدلة المتاحة. لذلك، فإن الحكم على عدالة العقوبات يقتضي الاطلاع على حيثيات لجنة الانضباط، وليس الاكتفاء بعدد المباريات المقررة للإيقاف، ومن المهم أيضا ألا تتحول حماية الحكام من الإهانات والضغوط إلى ذريعة لإغلاق باب النقاش حول الأخطاء التحكيمية. فالثقة في كرة القدم لا تتحقق بمنع الاعتراض، وإنما بضمان حق النقد المسؤول، والتحقيق في الشكاوى الجدية، وتطبيق القواعد نفسها على الجميع.
أما التحدي الأكبر أمام مصر، فهو تحويل الاعتراض إلى مسار قانوني فعال، بدلا من الاكتفاء بالاحتجاج الإعلامي، وطالب الاتحاد المصري بمعرفة الحيثيات التفصيلية للعقوبات لتقييم موقفه القانوني وتحديد إمكانية تقديم الاستئناف، وهذه خطوة ضرورية لمعرفة الأسس التي بنيت عليها القرارات، ومدى توافر مبررات تعديلها أو تخفيفها، وهنا تبرز مسؤولية الاتحاد المصري في الدفاع عن حقوق عناصره، بالتوازي مع تجنب التصريحات التي قد تضع المنتخب تحت طائلة عقوبات إضافية، لكن الانضباط ليس ذريعة لاسكات الأصوات، ومن حق مصر أن تدافع عن لاعبيها، والجماهير أن تطالب بالعدالة والشفافية، ومن واجب الفيفا أن تثبت أن القانون يطبق على الجميع بدون انتقائية أو ازدواجية في المعايير.
وفي النهاية، ينبغي ألا تتحول القضية إلى مواجهة شعارات بين مصر والفيفا، ولا إلى تبرير تلقائي لكل ما صدر عن الجانب المصري أو قبول غير مشروط بكل ما يصدر عن الاتحاد الدولي، لأن العدالة الرياضية تقاس بوضوح القواعد، وشفافية القرارات، وتناسب العقوبات مع المخالفات، وتطبيق المعايير نفسها على الجميع، فإذا كانت هناك تجاوزات مثبتة، فيجب التعامل معها وفقا للقانون، وإذا كانت العقوبات مبالغا فيها، فإن الطريق الصحيح هو الطعن المدعوم بالحجج والأدلة. فكرة القدم لا تخسر فقط عندما يرتكب لاعب مخالفة أو يخطئ حكم، بل تخسر أيضا عندما تتراجع الثقة في عدالة مؤسساتها. ولهذا، فإن المطلوب ليس إسكات الغاضبين، ولا تبرير التجاوزات، وإنما ضمان أن تبقى المحاسبة عادلة، وأن يظل النقد المسؤول حقا مشروعا، وألا يصبح الانضباط غطاء يحجب الأسئلة الصعبة، ونجد أنفسنا أمام عدالة تخضع للأسماء، وقانون يتغير بتغير الألوان والأسماء، وحصانة لأطراف دون غيرها، ونعود الى ازدواجية المعايير في التعامل مع نفس الأحداث والممارسات عندما تصدر من أطراف مختلفة، وهنا ينتابنا الشعور بالظلم بدلا من العدالة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد