الذكاء الاصطناعي .. سرقة الأموال واغتيال الحقيقة
21-10-2026 07:28 AM
لم تبدأ الحكاية من خزنة بل بدأت من صوت ، صوت مألوف يحمل نبرة رجل يعرفه الآخرون ويأتي في لحظة تبدو فيها العجلة منطقية والثقة أكثر إقناعا من الشك ، برسالة ثم مكالمة ثم طلب مالي كبير ، لم يكن خلف الصوت صاحبه بل " خوارزمية " تعرف كيف تستعير ملامح البشر من دون أن تكون بشرا
هكذا اقتربت نحو " 95 مليون يورو " من أن تغادر أحد أكبر البيئات المصرفية الإيطالية ، في واحدة من أكثر عمليات الاحتيال إثارة للقلق التي كشف عنها حديثا ، حيث استخدم المحتالون رسائل وانتحال شخصيات واستنساخا صوتيا بالذكاء الاصطناعي لإقناع مسؤولين بأن الأوامر صادرة عن شخصيات حقيقية في المؤسسة ، لكن المال مهما كان ضخما ليس هو جوهر القصة ، فجوهرها أن الإنسان صدق الصوت ، حيث منذ آلاف السنين ارتبط الصوت بالهوية ، فكنا نعرف الغائب من صوته ونطمئن إلى الحبيب من نبرته ونصدق صاحب السلطة لأن صوته يحمل سلطة حضوره ، أما الآن فقد انكسر ذلك العقد القديم ، وأصبح للصوت ظل يمكن نسخه ، وأصبح للوجه نسخة لا تحتاج إلى صاحبها ، وأصبحت الرسالة قادرة على أن تولد من آلة ثم تدخل إلى هاتفك وهي ترتدي اسم إنسان تثق به
ليكون بذلك الذكاء الاصطناعي اكبر من مجرد تقنية معاصرة بل إعادة تعريف للحقيقة ذاتها ، ففي الماضي كان المحتال يسرق المفتاح واليوم يستطيع أن يصنع الباب والمفتاح والحارس أيضا ، وهذا هو التحول الأخطر ، فالاختراق التقليدي كان يبحث عن ثغرة في النظام أما الاحتيال المدعوم بالذكاء الاصطناعي فيبحث عن الثغرة داخل الإنسان ، من خلال : خوفه من التأخر ، ثقته بالرئيس ، احترامه للسلطة ، ورغبته في تنفيذ الأمر قبل أن يفوته شيء ، إنه لا يكسر النظام بل يقنع النظام بأن الجريمة أمر مشروع ، ولذلك فإن قصة ال " 95 مليون يورو " ليست حكاية مصرف وقع في خطأ تقني اعتيادي وإنما مرآة لعصر تتراجع فيه قيمة الدليل الحسي
فماذا يعني أن تسمع صوت مديرك ولا تستطيع أن تثبت أنه مديرك؟ وماذا يعني أن ترى وجهه على الشاشة ، ولا تستطيع أن تثبت أنه كان هناك؟ وماذا يبقى من الحقيقة حين يصبح التوقيع قابلا للتوليد ، والصوت قابلا للاستنساخ ، والصورة قابلة للحياة بعد غياب صاحبها ؟ ، كل ذلك يعني اننا أمام أولى علامات زمن جديد لا تسرق فيه الأموال من الحسابات بل تسرق الثقة التي تحرس تلك الحسابات ، حيث استعادت السلطات والمؤسسات المالية جزءا كبيرا من الأموال في القضية الإيطالية ، بينما بقي جزء آخر غير مسترد ، الا انه في جوهر الأمر ما لا يمكن استعادته بسهولة هو شيء آخر غير المال ، وهو " الإيمان بأن ما نسمعه بأذننا هو بالضرورة حقيقة " ، وهنا يكمن مضمون " الفلسفة السوداء " للتكنولوجيا ، فكلما ازدادت الآلة قدرة على تقليد الإنسان أصبح الإنسان مضطرا إلى إثبات أنه إنسان ، حيث لم يعد كافيا أن تقول : أنا فلان ، ولا أن يسمع الآخر صوتك ، ولا أن يراك عبر الشاشة ، فقد أصبح السؤال الجديد أكثر قسوة ، وهو : كيف تثبت أنك أنت؟ ، وربما ستحتاج البنوك غدا إلى ما هو أبعد من كلمات المرور والبصمات ، ستحتاج إلى منظومات تحقق لا تثق بالصوت وحده ، ولا بالصورة وحدها ، ولا بالرسالة مهما بدت مقنعة
لكن المشكلة في ذلك أعمق من المصارف ، فأذا استطاعت الآلة أن تنتحل صوت مدير بنك ، فماذا عن صوت رئيس دولة؟ وماذا عن صحفي؟ وماذا عن شاهد؟ وماذا عن تسجيل يقدم باعتباره دليلا على جريمة أو قرار أو تهديد؟ ، هنا تنتقل المسألة من الاحتيال المالي إلى أزمة معرفية ، فحين تصبح الحقيقة قابلة للاستنساخ يصبح الشك جزءا من الأمن ، وحين يصبح الكذب قادرا على ارتداء صوت الحقيقة لن تكون أخطر الجرائم هي تلك التي تقول شيئا كاذبا بل تلك التي تجعل الحقيقة نفسها تبدو مشكوكا فيها ، فالطالما كان الإنسان القديم يخاف من الآلة لأنها قد تستولي على قوته ، أما إنسان هذا القرن فقد يجد نفسه أمام خوف مختلف ، وهو : أن تستولي الآلة على هويته وتتحدث بصوته وتوقع باسمه ، وأن تقنع الآخرين بأنه كان حاضرا في مكان لم يذهب إليه
ففي نهاية المطاف قد لا تكون قصة ال " 95 مليون يورو " قصة المال الذي كاد أن يضيع بل قد تكون قصة شيء أكبر بكثير ، فاليوم سرقوا صوتا وغدا يسرقون الحقيقة نفسها ، وعندما يصبح للكذب وجهك ، وصوتك ، وتوقيعك ، فإن السؤال الأخطر لن يكون : من سرق المال؟ بل : من الذي نتحدث معه فعلا لنثق ؟ .
أبرز ما ينتظر المنطقة اليوم .. ملفات سياسية وأمنية واقتصادية
الغبار والأمطار يلوحان في أجواء الأردن اليوم .. تفاصيل الطقس
الذكاء الاصطناعي .. سرقة الأموال واغتيال الحقيقة
«كندة والفارس أسامة» .. مجموعة قصصية جديدة للأطفال لأيمن الوريدات
بين أوديسة وأوديسا يجوع العالم
العراق والسعي نحو استقرار المنطقة
قضية زيت بني كنانة .. متى يصبح الخبر والتعليق مخالفة قانونية؟
الأردن يراهن على صناعة المسيّرات .. الخطة تتضح وهذه القطاعات المستفيدة
رفع سعر الروبل أمام العملات الرئيسية
الحكم لصالح نادي الفيصلي بـ57 ألف دولار
بلدية أربد توقع عطاء بقرابة مليون دينار لمعالجة مشكلات تجمع المياه
17 ألف تنكة زيت فارغة تثير الشبهات في إربد .. ما القصة؟
التربية توضح للسوسنة السبب وراء حذف صور طالبات مدرسة جرش
خدمة جديدة من الضمان الاجتماعي للمشتركين والمتقاعدين .. تفاصيل
عطلة الـ3 أيام لموظفي الحكومة .. ما حقيقة تطبيقها نهاية الشهر
زيادة 30 دينارا لرواتب الموظفين والمتقاعدين .. تفاصيل موازنة 2027.
ترفيع وإحالات إلى التقاعد في الحكومة .. أسماء
اعتداء جماعي على طفل في إربد .. تفاصيل
الأمن العام يفتح باب التجنيد للذكور والإناث في الأردن .. تفاصيل
لا تسلم مركبتك لغير المرخصين .. الأمن العام يوضح العقوبات
مقاطعة أربع جهات تأمينية الأحد .. ماذا ينتظر المرضى؟
خبر هز الوسط الفني .. وفاة نجم أردني كبير .. صورة
عرّوه وصوّروه وكسروا جمجمته .. تفاصيل صادمة عن خطف طالب إعلام في إربد
عنوان رقمي مرتبط بهويتك .. تعديل جديد على التبليغات القضائية في الأردن
تقاعدات وترفيعات وإنهاء خدمات في التربية .. التفاصيل والأسماء
