الكرك توحّدنا

الكرك توحّدنا

24-10-2026 03:37 PM

ليست كل الجرائم مجرد اعتداء على أرواح الأبرياء؛ فبعضها يستهدف روح الوطن وضميره وهويته الجامعة. وما شهدته الكرك الأبية من جريمة إرهابية بشعة، استهدفت مواطنين أبرياء خلال مراسم تشييع جنازة، لم يكن اعتداءً على أبناء طائفة بعينها، بل كان اعتداءً على الأردن كله، على تاريخه وقيمه ووحدته الوطنية، وعلى رسالة التسامح والتعايش التي جسّدها الأردنيون، مسلمون ومسيحيون، عبر قرون من الأخوّة والمصير المشترك.

لقد أراد المجرمون أن يجعلوا من دماء الأبرياء وقودًا للفتنة، ومن بيوت العبادة ساحات للخوف، ومن الاختلاف الديني مدخلًا لتمزيق النسيج الوطني. لكنهم جهلوا حقيقة راسخة، وهي أن الأردن ليس مجرد أرض تجمع المسلمين والمسيحيين، بل وطن توحّدهم فيه الأخوّة، وتجمعهم المواطنة، وتصون كرامتهم دولة واحدة، ويحمي مستقبلهم مصير مشترك.

وفي الأردن، نقولها بكل فخر واعتزاز: كلنا مسيحيون حين يُعتدى على كنيسة أو يُمسّ رمز مسيحي، وكلنا مسلمون حين يُعتدى على مسجد أو يُمسّ رمز إسلامي؛ لأن كرامة الأردني لا تتجزأ، وحرمة الدم واحدة، وقدسية الإنسان فوق كل اختلاف. فالمسيحي الأردني ليس ضيفًا في وطنه، ولا أقلية تنتظر الحماية، بل هو شريك أصيل في بناء الدولة وصناعة تاريخها والدفاع عن سيادتها. والمسلم والمسيحي في الأردن جذران لشجرة واحدة، إذا جُرح أحدهما نزف الوطن كله.

ولعل أبلغ رد على هذه الجريمة النكراء كان ذلك الإجماع الوطني العفوي على إدانتها، حيث توحّدت مشاعر الغضب والحزن والتضامن من شمال المملكة إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، دون تمييز بين مسلم ومسيحي، أو بين مدينة وقرية، أو بين عشيرة وأخرى. لقد أثبت الأردنيون أن وحدتهم ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، وإنما عقيدة وطنية تتجلى في المحن، وتزداد صلابة كلما حاول العابثون النيل منها.

وجاء موقف جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وزيارته إلى الكرك للاطمئنان على المصابين ومتابعة الجهود الأمنية، ليجسّد معنى القيادة التي تقف في مقدمة الصفوف حين يتعرض الوطن للخطر. فقد حمل الموقف الملكي رسالة حاسمة بأن دم الأردني غالٍ، وأن أمن المواطنين وكرامتهم خط أحمر، وأن الأردن لن يسمح للإرهاب بأن يفرض منطقه الدموي أو يزرع الخوف بين أبنائه.

إن التفاف الأردنيين حول قيادتهم الهاشمية في هذه اللحظة العصيبة ليس موقفًا عاطفيًا عابرًا، بل تعبير عن إدراك عميق بأن قوة الدولة تكمن في تلاحم القيادة والشعب والمؤسسات، وأن حماية الوطن مسؤولية وطنية وأخلاقية مشتركة.

وفي مواجهة هذه الجريمة، تتجدد ثقتنا الراسخة بمؤسسات الدولة الأردنية المدنية والعسكرية، وبقواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية، وبالقضاء الأردني الذي نثق بقدرته على إحقاق الحق وإنصاف الضحايا. ونحن على يقين بأن الجهود الأمنية ستتواصل لكشف ملابسات الجريمة وتعقب مرتكبيها وتقديمهم إلى العدالة، لينالوا العقاب الذي يستحقونه وفق أحكام القانون، فلا حصانة لمجرم، ولا تساهل مع الإرهاب، ولا مكان لمن يستبيح دماء الأبرياء.

غير أن الانتصار الحقيقي على الإرهاب لا يتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، على أهميتها، وإنما يتحقق أيضًا بحماية الوعي الوطني من خطاب الكراهية، وتحصين الأجيال بقيم الوسطية والاعتدال، وتجريم التحريض، ورفض محاولات استغلال المأساة لإثارة الأحقاد أو توجيه الاتهامات دون أدلة. فالإرهاب يبدأ بفكرة مسمومة قبل أن يتحول إلى رصاصة قاتلة، ومواجهته تتطلب دولة قوية ومجتمعًا واعيًا ومؤسسات تربوية ودينية وإعلامية تتحمل مسؤولياتها.

وستبقى الكرك، بتاريخها المجيد ورجالها ونسائها، قلعة للعز والكرامة، ورمزًا للنخوة والوحدة الوطنية. وستبقى كنائس الأردن ومساجده شواهد على حضارة وطن عرف كيف يجعل من التنوع مصدر قوة، ومن التسامح نهج حياة، ومن الأخوّة حصنًا لا تنال منه رصاصات الغدر.

رحم الله الضحايا الأبرياء، وشفى المصابين، وربط على قلوب ذويهم.

وليعلم كل من تسوّل له نفسه العبث بأمن الأردن أن هذا الوطن أكبر من مؤامرات الفتنة، وأقوى من رصاص الإرهاب، وأعصى على الانقسام.

ففي الكرك لم يُستهدف المسيحيون وحدهم، بل استُهدف الأردن كله؛ وفي الكرك لم ينزف المسيحيون وحدهم، بل نزفت قلوب الأردنيين جميعًا.

وسيظل الأردن، بقيادته الهاشمية وشعبه الواحد ومؤسساته الراسخة، وطنًا لا تهزمه الجريمة، ولا تكسره المحن، ولا تفرّق أبناءه الفتن.

حمى الله الأردن، وحفظ وحدته، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

متى يحل أول منخفض جوي ماطر في الأردن؟

17 ألف تنكة زيت فارغة تثير الشبهات في إربد .. ما القصة؟

خدمة جديدة من الضمان الاجتماعي للمشتركين والمتقاعدين .. تفاصيل

تغيير مواعيد الطابور والحصص المدرسية اعتبارا من الأحد المقبل

تحديد موعد العطلة الشتوية للمدارس

قرارات جديدة صادرة عن الضمان الاجتماعي .. تفاصيل

قطار كهربائي من عمان إلى المطار .. موعد التشغيل المتوقع وعدد الركاب

زيادة 30 دينارا لرواتب الموظفين والمتقاعدين .. تفاصيل موازنة 2027.

الذنيبات للهلسة: إخوة الدم والجيرة والمصير .. ومرتكبو الجريمة لا يمثلوننا

الأمن العام يفتح باب التجنيد للذكور والإناث في الأردن .. تفاصيل

النجداوي يكشف معلومات مهمة عن شحنة زيت بني كنانة المضبوطة

خبر هز الوسط الفني .. وفاة نجم أردني كبير .. صورة

قضية زيت بني كنانة .. متى يصبح الخبر والتعليق مخالفة قانونية؟

تقاعدات وترفيعات وإنهاء خدمات في التربية .. التفاصيل والأسماء

مدير زراعة بني كنانة يكشف للسوسنة تفاصيل قضية تنكات الزيت الفارغة