البطل محمود جراشة ... فقيد الرياضة الأردنية - د. حسين عمر توقه

البطل محمود جراشة ... فقيد الرياضة الأردنية - د. حسين عمر توقه

قال تعالى في محكم كتابه ( ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين ) صدق الله العظيم

 

لا تعش نصف حياة

 

ولا تمت نصف موت

 

لا تختر نصف حل

 

ولا تتعلق بنصف أمل

 

إذا صمت فاصمت حتى النهاية 

 

وإذا تكلمت فتكلم حتى التهاية

 

كيف لإنسان أن يختار الكلمات كي يعبر عن حزنه وعن ألمه على فقدان صديق عمره وأخيه في مسيرة الحياة التي جاوزت الستين عاما 

 

كيف يمكن لإنسان أن يصف ذلك الإصرار وذلك العزم على تحقيق المستحيل وهو يحفر في الصخر

 

يا ربي إنني عبدك  وإنني في غمرة حزني وأنا في سجودي إليك أهمس إلى الأرض وأنت تسمع همسي في أعلى السماء . أنا راض بمشيئتك وقضائك وإنني أستئذنك أن تسمح لي أن أتألم لأنني فقدت أخاً عزيزا على قلبي وعلى ضميري وأن تسمح لي أن أبكي .

 

لقد شاركت بالأمس جموع الأخوة في مقبرة سحاب نودع الأخ محمود جراشة بطل الأردن  واليوم لا أعلم ماذا أكتب أو كيف أبدأ إختيار الكلمات وهي والله مهمة قاسية وشاقة لأن الكلمات تهرب والبحث عنها من خلال الدموع مهمة مستحيلة. ولكنني وقد توكلت على الله  فلقد عزمت أن أقص قصة هذا البطل الذي أفنى عمره في خدمة رياضة بناء الأجسام وحقق بالعزم والإصرار ما لم يحققه أردني من قبله.

 

إن محمود جراشة هو بطل من أبطال الرعيل الثاني بعد عبد الله كته وعلي هليل وسمير التلحمي ومحمود كعوش وكوجان أبراهيم ووليام فهمي وعبد المنعم أبو طوق  وكثيرين غيرهم  هؤلاء الأبطال الذين أسسوا وبذروا البذرة الأولى لرياضة بناء الأجسام في الأردن .

 

في بداية الستينات في القرن الماضي انتشرت في السينما العالمية الأفلام التاريخية  التي تشيد بأبطال الملاحم الإغريقية  والأساطير اليونانية ولقد ظهر في تلك الفترة أبطال من أبطال بناء الأجسام في العالم وعلى رأسهم بطل العالم في بناء الأجسام ستيف ريفز  والبطل ريك بارك  وتبعهم أبطال آخرون أمثال جوردن سكوت وبراد هاريس ودان فاديس وسيرج نوبرت وجوردن ميتشل  ومارك فوست وآرنولد شوارزنغر .

 

ومنذ اللحظة الأولى التي شاهدنا فيها فيلم هرقل للبطل ستيف ريفز شدتنا إلى رياضة بناء الأجسام عاطفة لا تقاوم وأخذنا ننتظر أفلام ستيف ريفز الذي أصبح المثل الأعلى والحلم الذي يتطلع إلى تحقيقه كل المراهقين من الشباب لا سيما وأننا أخذنا نتابع  أخباره وبداياته الرياضية وإنجازاته  الرياضية ولقد أحضر محمود جراشة صورة ستيف ريفز وهو يفوز ببطولة العالم لبناء الأجسام للهواة في لندن ومنذ تلك اللحظة ومحمود جراشة يحلم بلندن ويحلم يالوصول إلى لندن  . كنا نذهب إلى نادي الجزيرة بالقرب من سينما البتراء ونراقب  علي هليل  ومحمود كعوش وكوجان إبراهيم  وهم يتدربون في غرفة صغيرة  ولكن أعمارنا  لم تسمح لنا بالتدرب في النادي ولكننا قمنا بتدبير مبلغ من المال لشراء بعض قطع الحديد وتفصيل بنك تم نقلها إلى غرفة محمود جراشة في منزله في جبل اللويبدة ومنذ ذلك التاريخ وحتى هذه اللحظة أي منذ خمسين عاما بقيت هذه الأدوات في غرفته .

 

وبكل عزيمة وإصرار بزغ نجم محمود جراشة في عالم رياضة بناء الأجسام واكتسح بطولة المملكة لعشر سنوات متتالية أي منذ عام 1965 لغاية عام 1975  وساعده في ذلك التحاقة بكلية الشرطة الملكية مسؤولا عن تدريب اللياقة البدنية وبناء الأجسام  وأخذ يخطط للتوجه إلى بطولات العالم وعلى رأسها بطولة العالم للهواة  في لندن والتي كانت تعرف بإسم ( النبا )  لا سيما وأن ستيف ريفز قد انتقل إلى العالمية بعد فوزه ببطولة العالم في لندن عام 1950 وتم الإتصال مع رئيس مجلس الإتحاد الأهلي لهواة بناء الأجسام السيد أوسكار  وقام السيد خالد طاش بصياغة كتاب الإشتراك باللغة الإنجليزية  وجاءت الموافقة للبطل محمود جراشة للمشاركة في بطولة العالم لعام 1975 وسافر بمعيته صديقه ورفيق دربه السيد خالد طاش وتمكن البطل محمود جراشه من الحصول على المركز الرابع في مشاركته الأولى. وفي العام التالي أي في عام 1976 قمت هذه المرة بمرافقة محمود جراشة إلى بطولة العالم في لندن حيث تمكن البطل محمود جراشة من الفوز بالمركز الثالث . في ذلك العام تعرفنا على البطل ريك بارك والبطل آرنولد شوارزنغر والبطل فرانك كولمبو والبطل الفرنسي سيرج نوبرت ونشأت علاقة وثيقة بين البطل آرنولد شوارزنغر  ومحمود جراشه  وأخبره أنه بصدد الهجرة إلى أمريكا والمشاركة مع الإتحاد الدولي لبناء الأجسام برئاسة بن ويدر في بطولة العالم لبناء الأجسام وأنه يخطط هو وفرانك كولومبو للمشاركة في بطولة مستر أولمبيا . 

 

كما طلب البطل سيرج نوبرت من محمود جراشة المشاركة في بطولة الإتحاد الفرنسي لبناء الأجسام في بطولة باريس  لعام 1977 ولقد تمكن محمود جراشة بجهوده الشخصية وإمكاناته المحدودة من المشاركة للمرة الثالثة في بطولة العالم في لندن حيث حصل هذه المرة على المركز الخامس.

 

واستمر محمود جراشة في تقديم كل النصيحة والعون واستمر في تدريب الأجيال حتى بعد إحالته على التقاعد حيث طلبت منه الجمعية الخيرية الشركسية  الإشراف على تأسيس وتجهيز قاعة لتدريب بناء الأجسام  . وفي عام 2000 قمت بدعوته للعمل معي في إتحاد بناء الأجسام الأردني ولقد شرفني الله أن يكون في قائمة الإتحاد البطل علي هليل نائبا للرئيس والدكتور عبد الرحيم ملحس والبطل محمود كعوش والأستاذ علي طاس رحمة الله عليهم أجمعين . وفي عام 2000 تم توجيه الدعوة إلى رئيس الإتحاد الدولي الدكتور بن ويدر والذي قدم القيادة الذهبية إلى جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين على دعمه للرياضة .  وفي بطولة المملكة في قصر الثقافة الملكي في مدينة الحسين للشباب  قام الدكتور  بن ويدر رئيس الإنحاد الدولي لبناء الأجسام  بتكريم عدد من الرياضيين والبناة الأوائل لرياضة بناء الأجسام وتم تقليد البطل محمود جراشة شهادة التقدير والميدالية الذهبية على خدماته وإنجازاته في رياضة بناء الأجسام.

 

واليوم وقد فقدت الرياضة الأردنية علما من أعلامها ورمزاً من رموز كفاحها وعطائها وبطلا من أبطالها . أتوجه إلى المولى عز وجل ضارعا اللهم عبدك رُد إليك فارأف به وارحمه . اللهم جاف الأرض عن جنبيه . اللهم افتح أبواب السماء لروحه الطاهرة وتقبله بقبول حسن . 

 

* الرئيس الأسبق لاتحاد بناء الاجسام