اليمن .. مشاورات الكويت تهيئة لكويت 2‏

الكاتب : عبد الوهاب العمراني
بعد أكثر من عام ونصف من سقوط صنعاء وأكثر من عام من الحرب التي كانت نتيجة ‏للقفز على الإجماع اليمني وحوار طال أمده لعام كامل وبعد كل هذه المعاناة لم يكن يخطر ‏في بال الشارع اليمني الذي كان يعول على السلام أن ينتهي الأمر بما آلت أليه الأمور في ‏آخر تفاوض في الكويت والذي يسير وفق النموذج السوري من محطة تفاوضية لأخرى ، ‏وفي لقاء بيل السويسري المعروف بجنيف  2أوآخر العام المنصرم وضعت أجندة أتفق ‏عليها طرفي الحوار لمفاوضات مقبلة بخمسة محاور وبنود اتفق عليها فلماذا لم يحاسب ‏الطرف الذي يفرض شروطاً أخرى ولا يحدد الطرف الذي يُميع القضية ويهرول نحو ‏تسوية فقط من اجل فرض نفسه كطرف سياسي فاعل وهو متسلح بمقدرات الدولة التي ‏اغتصبها ، فإذا كان المجتمع الدولي قد تواطئ حين عند زحف الحوثيين لصنعاء تحت ‏مبررات واهية واسقطوا العاصمة بذريعة (الجرعة) وفرضوا ما عُرف بإتفاق (السلم ‏والشراكة) تحت أسنة الرماح ونقضوه في اليوم التالي والذي كان له شقين أمني وسياسي تم ‏تطبيق جزئيا الجانب السياسي من فرض حكومة (توافقي) وتم التغاضي على تنفيذ الجانب ‏الأمني والعسكري بحيث بقى الميلشيات كما هي وكما دخلت الحوار السياسي قبل ذلك وهي ‏مجرد ميلشيا مسلحة . وحتى الجانب السياسي تم الانقلاب عليه ووضعت الحكومة تحت ‏الإقامة الجبرية وتم ملاحقة قيادات الدولة الى عدن حتى عشية (عاصفة الحزم) ولو كان ‏الطيران اليمني اليوم متعافي لكانت تعز وعدن تقصف بالبراميل المتفجرة كما هو الحال في ‏سوريا.‏
 
لقاء الكويت‎   ‎
 
على خلفية تعثر مفاوضات الكويت يبدو ان اليومين المقبلين بل ربما الساعات المقبلة ‏ستحدد مصير هذه المفاوضات العقيمة ، وقد يلتئم في نهاية الأمر إذا كانت رؤية وفد ‏الحكومة محصورة فقط في إشكالية معسكر العمالقة وسوا كانت هذه القضية مختلقة كما ‏يدعي الانقلابيين أو حقيقة وكذا سوا كان الأمر مبالغ فيه بهذه الجزئية من عدمه ، ‏التطورات ديناميكية في الحالة اليمنية التي تفرض تطوراتها تلقائيا وتربك المتفاوضون ‏وكل يوم لها وجه وتعامل محدد وفق سياق الحدث . ‏
 
تكتيك الحوثي يحاكي حلفائهم الإيرانيين في أسلوب النفس الطويل يوحي بأن الحوثيين ‏يهيئون لكويت 2 في المحصلة ، ينبغي أن الطرف الشرعي من يحرج الانقلابيين ويضعهم ‏في زاوية التفاوض الجاد وتطبيق القرار وليس العكس ، بمعنى ان الحكومة الرسمية ‏بأسلوبها تضعف القرار الدولي وتفرغه من مضمونه
 
القرار الدولي 2216 أعطى مهلة بضعة أيام لتنفيذة ولكن الحكومة الشرعية وخلفها ‏التحالف لم تستفيد من الاستفادة منه ، وانخرطت الحكومة اليمنية في تفاصيل فضفاضة ‏يناور بين سطورها مفاوضي الحوثي بدهاء ‏
 
ومنطق الميلشيا خذ ثم طالب مجدداً ، في الجملة الحكومة تتناسى كل تفاصيل اختراقات ‏الحوثي وسوابق عديدة وتجاوزات منذ نحو عامين مضت وتحصر الأمر في جزئية بسيطة ‏، الظاهرة الحوثية من خلال تصرفاتها خُلقت لتبقى ، ومجرد حضور وفد الحكومة للكويت ‏هو اعتراف ضمني بالخصم ، بغرض النظر مدى شعبية الانقلابيين ورفض أغلبية اليمنيين ‏له ، لكن يجب التعامل معهم بدهاء وبعد نظر وبشمولية مع الأخذ بالاعتبار ديماغوجية ‏ومراوغة هذه الحركة التي تهدد اليمن والمنطقة كلها ، أي تفاوض معهم وبأي نتيجة هو ‏مكسب لطرفي الانقلاب ، وخيراً للشعب اليمني أن يبقى تحت سلطة الأمر الواقع من ‏الانخراط والانزلاق الالتزامات اتفاق مفترض هش مع هذه الجماعة .. ومن هنا وفي حال ‏أستمر الامر بهذه الرخاوة من جانب الشرعية اعتقد طرفي الانقلاب سينتصر في نهاية ‏الأمر وتصبح الشرعية جزاء من الماضي ، وهو الأمر لدول التحالف وعلى رأسها ‏السعودية ستدفع الثمن غالياً التي تعتقد بأنها قد حيدت حدودها بتفاهمات مع الحوثيين وتريد ‏ان تتحول الحرب إلى (يمنية يمنية) داخلية وسواء تم امبرام اتفاق هش او خلافه فأن ‏الحرب الأهلية تلوح في الأفق لان مسوغاتها ومعطيات الواقع واضحة للعيان ، وبهذا فأن ‏السعودية تحفر قبرها بيدها وفي نهاية المطاف فأن الجميع خاسر اليمنيون ودول الإقليم ‏وعلى رأسها السعودية والحوثيين أنفسهم ، الذين لن يحكموا سوى أطلال وبقاء بشر .‏
 
البعض من الشعب اليمني ممن يتأثر بأعلام الداخل ويختزل كل الإشكال في مفردة ‏‏(العدوان) وبالطبع هؤلاء فقط هم من يقدسون الجلاد وسيد الانقلاب لا يدركون حجم ‏المؤامرة وبأن اليمن مجرد ورقة بيد إيران للضغط على بلدان الخليج والشعب اليمني وقودا ‏لهذه الحروب .‏
 
وسواء كان تسابق الحوثيين بإدلاء تصريحات ضد ‏إيران صحيحة أو (تقية) وخطاب ‏ديماغوجي إلا أنها في حقيقة الأمر حقيقة واقعة . والمخطط يراد منه ان ينجر اليمن ‏للنموذج  السوري والعراقي لأن البيئة المجتمعية غدت مفككة والجميع يكره الجميع . فبعد ‏دمار اليمن وقتلى الحروب الحوثية العبثية الست التي راح ضحيتها عشرات الالوف ومثلهم ‏جرحى ، وبعد حرب مدمرة بدأت منذ سقوط عمران بتواطئ الدولة العميقة للرئيس السابق ‏وتواطئ هادي نفسه ، بداء مسلسل خراب اليمن مروراً بحرب عام ونيف ولا زالت ‏مؤشرات الحرب توحي بانسحاب الطرف السعودي بتفاهمات مع الحوثيين للتحول الحرب ‏إلى داخلية سواء كان هناك اتفاق هش او لم يحصل فأن الحرب الأهلية قادمة لا محالة لان ‏مسوغاتها ومعطيات واضحة للعيان ‏‎.‎
وخلاصة الأمر في هذا السياق وبالنظر لتباين وجهات نظر طرفي التفاوض سواء في ‏المرجعيات أو التنفيذ ، يكفي لان ينسف أي نتيجة (توافقية) مفترضة في لقاء فوفد ‏‏"الحوثي- صالح" وصل الكويت من أجل "مفاوضات" لإنهاء الغارات وحدها والعودة إلى ‏توافق ما قبل "مارس 2015"، مع الاحتفاظ "باللجنة الثورية" أو ما يوازيها في المجلس ‏الرئاسي، والحكومة وصلت الكويت لإجراء "مشاورات" وليس "تفاوض" لتطبيق القرار ‏الأممي وتعود الحكومة لإدارة البلاد بعد سحب السلاح وحظر أنشطة مسلحة لأي جماعة .‏
وكما ذكرت صحيفة (السياسة) الكويتية في افتتاحيتها مؤخراً ناصحة طرفي الانقلاب إلى ‏القبول بالحل المعروض عليهم ‏أفضل بكثير من تسويف الوقت وإطالة أمد معاناة الشعب ‏، وإذا كان الاتفاق حالياً يمثل مخرجاً ما من تبعات قرار مجلس الأمن الدولي          ‏‏2216، فأنه لن يكون متاحاً غداً ، ومن طلبه كله فاته كله  !‏
 
‏* كاتب ودبلوماسي يمني