هذه الشعبوية الرثة في تونس
قبل 15 عاماً، وبالضبط قبل أسبوع واحد فقط من انتصار الثورة التونسية، كتب أحدهم، ممّن اختص وصحيفته في سب وهتك أعراض المعارضين والمخالفين، مقالاً في الصفحة الأولى لجريدته الأسبوعية يتّهمني فيه، بكل بساطة، بخيانة الوطن والعمالة للخارج، لا لجريمة اقترفتها سوى التعبير عن آراء لا تنسجم مع ما يراد له أن يكون الصوت الوحيد المؤيد للسلطة.
ويشاء ربك أن يقف هذا الصحفي باكياً بعد سقوط رعاته ليقول إنه كان مغلوباً على أمره، وإنه كان مجبراً على نشر مقالات تردُه جاهزة من جهات رسمية، معترفاً أن ما كان على أعمدة جريدته ليس من الصحافة في شيء، بل هو قذفٌ وتشهير يعاقب عليه القانون.
كان عبد العزيز الجريدي، رحمه الله وغفر له، يتمتّع بحصانة لا حدود لها، فما من قضية رُفعت ضده إبّان حكم الرئيس الراحل زين العابدين بن علي أخذت مجراها أبداً، إلى أن رُفع غطاء الحماية عنه، فوجد نفسه فجأة أمام المحكمة في القضية التي رفعتُها ضده. حكم عليه وقتها بالسجن لعام وغرامة مالية، قبل أن يُلغى لاحقاً حكم السجن وتُخفّض الغرامة ليتوفى الرجل دون أن يدفعها.
ويشاء ربك، بعد خمسة عشر عاماً، وفي ظل العهد الحالي، أن أتعرّض لنفس الشيء، ولكن هذه المرة ليس عبر مقال، ولكن عبر لوحة كبيرة رُسمت بعناية، رفعها، في مظاهرة الأسبوع الماضي المؤيدة للرئيس قيس سعيّد، كهلانِ تُثير ملامحهما من الشفقة والتعاطف أكثر مما تثير من الغضب، على غرار أغلب المشاركين المساكين الذي من الواضح أن ذُلّ الحاجة وسطوة الإدارة هما من جاءا بهم إلى المظاهرة وليست الحماسة السياسية.
اليوم، تحوّلت «ظاهرة الجريدي»، من مقالات فردية قميئة في جريدة سيئة السمعة إلى تيار شعبي يعبّر عن نفسه في الشارع بلافتات وشعارات لا أحد يحاسب أصحابها مهما بلغت بذاءتها، وإلى تيار جارف في مواقع التواصل، أكثره مُهندَسٌ من غرف عمليات منظّمة، وعلى شاشات تلفزيون حوّلتها «حرب التحرير الوطني» التي يقول سعيّد إنه يخوضها إلى آلة دعائية تبزّ مثيلاتها في الأنظمة الأشد شمولية في العالم.
أما كيف جرى مثل هذا التحوّل بهذا الزخم الحالي، إلى جانب سياقه الطبيعي المتمثل في انقلاب 2021 والانتكاسة الكبرى التي صاحبته على مستوى الحريات والقانون والقضاء، فأمرٌ يعود إلى أنه أصبح لهذا التيار الشتّام التخويني التشهيري زعيم ملهم وراع رسمي هو رئيس الدولة نفسه للأسف الشديد.
لم يكن بن علي يتلفظ شخصياً بمفردات الخيانة والعمالة والارتماء في أحضان الخارج وغير ذلك فقد كان يتركها للجريدي، وبعض أمثاله الأقل ابتذالاً ربما، ليصيغوها بمعرفتهم، لكن اليوم لن تجد سعيّد يتحدث، ولو لمرة واحدة، دون أن يقسّم الشعب إلى وطنيين صادقين مخلصين، وآخرين خونة وعملاء ومرتزقة وجبَت مقاومتهم، ولهذا رمى بالكثير من هؤلاء الأخيرين في السجون أو دفعهم إلى المنافي أو الصمت القاتل أو المنع من السفر. حتى البيانات الرسمية الصادرة عن رئاسة الجمهورية، التي يفترض فيها الحد الأدنى من الجدية والرصانة، لا تخلو من ذات اللغة.
ومثلما حظي الجريدي لسنوات طويلة بالحصانة والافلات من المحاسبة، يحظى بعض «رموز» هذا التيار المؤيد للرئيس بذات المعاملة، حتى تأتي ساعة محاسبتهم هم أيضاً. أكثر من ذلك، لقد مكّنت سلطة الأمر الواقع هؤلاء ممّا لم يفعله بن علي مع جماعته وذلك حين أتاحت لأبرز مهرّجيهم أن يصبحوا «شخصيات عامة» لهم برامجهم التلفزيونية التي يعلنون فيها، دون حياء، من سيجري إيقافه، ومن سيلاحق، ومن يجب إدخاله للسجن، فتأتي الوقائع لاحقاً لتؤكد ما ذهبوا إليه مما يعني أنهم أناس مخوّلون رسمياً، بل إن بعضهم كشف عن أحكام قضائية قبل تصريح المحاكم بها!!
في المقابل، لا أحد يقترب من أنصار الرئيس مهما تجنّوا وشتموا وأوغلوا في أعراض الناس وكرامتهم، سواء كان ذلك على مواقع التواصل أو في تصريحات علنية أو في شعارات المظاهرات أو حتى داخل قبة البرلمان. هنا تبدو الرسالة واضحة جليّة: إن كنت ناقداً أو معارضاً فانتظر أي شيء… وإن كنت مع الرئيس فلك أن تفعل كل شيء.
عندما تنحدر السياسة ينحدر معها كل شيء، بما في ذلك مستوى المؤيدين للسلطة والمتظاهرين الداعمين لها. في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة كان من يكتب أو يتحدث مدافعاً عن سياساته وخياراته الكبرى، شخصيات من قامات محمود المسعدي والشاذلي القليبي ومحمد مزالي والحبيب بولعراس وغيرهم، وعندما جاء بن علي تدحرج المستوى تدريجياً مع الأعوام حتى انتهى به الحال إلى الجريدي وأمثاله، وفي السنوات الأولى بعد رحيل نظامه اختلط الحابل بالنابل بحُرية لا ضوابط لها، حتى «استقرت» الأوضاع على ما يعانيه التونسيون حالياً مع سعيّد، ليكونوا جميعاً شهوداً على الحضيض الذي بلغه الانحطاط السياسي. انحطاط يختلط فيه الاستبداد البائس بالشعبوية الضحلة، بصفرِ إنجازات وكلام كثير عن «السيادة الوطنية ورفض التدخل الأجنبي»، ليفرزوا في النهاية هذا المستوى المزري والحزين من الرثاثة… إلى أين تطوى هذه الصفحة الكئيبة كما طويت غيرها.
كاتب تونسي
الرئيس الإندونيسي سيحضر اجتماع مجلس السلام في 19 شباط
المواصفات والمقاييس تحذر من مخاطر أحبال الإنارة الرمضانية
الأونروا تؤكد استمرار عملها في غزة مهما كانت الظروف
بنك الإسكان بصدد إصدار أول سندات تمويل أزرق بقيمة 200 مليون دولار
روته: ردنا سيكون مدمرا إذا تعرضت أراضي حلف الناتو لهجوم
كوريا الجنوبية: زعيم كوريا الشمالية يعد ابنته لتولي قيادة البلاد
7 إصابات بحادث تدهور على طريق الموقر – الأزرق
روسيا سترسل النفط إلى كوبا كمساعدة إنسانية
تركيا: واشنطن وطهران تبديان مرونة للتوصل لاتفاق نووي
إخلاء قرية جنوب روسيا بعد تعرض منشأة عسكرية مجاورة لهجوم
واشنطن ستسدد مليارات الدولارات من مستحقاتها المتأخرة للأمم المتحدة
127 مليون ناخب يتوجهون إلى مراكز الاقتراع في بنغلادش
منافسات الأسبوع الـ 15 من دوري المحترفين تنطلق اليوم
دراسة تكشف تأثير الملح على الدماغ
سيدة الشاشة الخليجية بغيبوبة تامة
تسريبات والفاظ نابية .. أزمة جديدة تلاحق شيرين
مأساة عروسين .. دخلا المشرحة بدلاً من عش الزوجية
سارة الودعاني تخلع الحجاب وسط عاصفة من الجدل
اليرموك تطلق الهوية البصرية لمركز التنمية المستدامة
حضر «المخزن» وغابت الحكومة في القصر الكبير
دعاء اليوم الثلاثين من رمضان 1447
دعاء اليوم التاسع والعشرين من رمضان 1447
استكمال امتحانات الشامل اليوم في البلقاء التطبيقية
اليرموك تعزز حضورها الأكاديمي الدولي بالمشاركة في قمة QS 2026 بالهند
مياه اليرموك: قلة الأمطار خفضت الإنتاج المائي 50 بالمئة الصيف الماضي
القاضي يلتقي سفراء ورؤساء البعثات العربية المقيمين في فيتنام
