هذه الشعبوية الرثة في تونس

هذه الشعبوية الرثة في تونس

24-12-2025 01:12 AM

قبل 15 عاماً، وبالضبط قبل أسبوع واحد فقط من انتصار الثورة التونسية، كتب أحدهم، ممّن اختص وصحيفته في سب وهتك أعراض المعارضين والمخالفين، مقالاً في الصفحة الأولى لجريدته الأسبوعية يتّهمني فيه، بكل بساطة، بخيانة الوطن والعمالة للخارج، لا لجريمة اقترفتها سوى التعبير عن آراء لا تنسجم مع ما يراد له أن يكون الصوت الوحيد المؤيد للسلطة.
ويشاء ربك أن يقف هذا الصحفي باكياً بعد سقوط رعاته ليقول إنه كان مغلوباً على أمره، وإنه كان مجبراً على نشر مقالات تردُه جاهزة من جهات رسمية، معترفاً أن ما كان على أعمدة جريدته ليس من الصحافة في شيء، بل هو قذفٌ وتشهير يعاقب عليه القانون.
كان عبد العزيز الجريدي، رحمه الله وغفر له، يتمتّع بحصانة لا حدود لها، فما من قضية رُفعت ضده إبّان حكم الرئيس الراحل زين العابدين بن علي أخذت مجراها أبداً، إلى أن رُفع غطاء الحماية عنه، فوجد نفسه فجأة أمام المحكمة في القضية التي رفعتُها ضده. حكم عليه وقتها بالسجن لعام وغرامة مالية، قبل أن يُلغى لاحقاً حكم السجن وتُخفّض الغرامة ليتوفى الرجل دون أن يدفعها.
ويشاء ربك، بعد خمسة عشر عاماً، وفي ظل العهد الحالي، أن أتعرّض لنفس الشيء، ولكن هذه المرة ليس عبر مقال، ولكن عبر لوحة كبيرة رُسمت بعناية، رفعها، في مظاهرة الأسبوع الماضي المؤيدة للرئيس قيس سعيّد، كهلانِ تُثير ملامحهما من الشفقة والتعاطف أكثر مما تثير من الغضب، على غرار أغلب المشاركين المساكين الذي من الواضح أن ذُلّ الحاجة وسطوة الإدارة هما من جاءا بهم إلى المظاهرة وليست الحماسة السياسية.
اليوم، تحوّلت «ظاهرة الجريدي»، من مقالات فردية قميئة في جريدة سيئة السمعة إلى تيار شعبي يعبّر عن نفسه في الشارع بلافتات وشعارات لا أحد يحاسب أصحابها مهما بلغت بذاءتها، وإلى تيار جارف في مواقع التواصل، أكثره مُهندَسٌ من غرف عمليات منظّمة، وعلى شاشات تلفزيون حوّلتها «حرب التحرير الوطني» التي يقول سعيّد إنه يخوضها إلى آلة دعائية تبزّ مثيلاتها في الأنظمة الأشد شمولية في العالم.
أما كيف جرى مثل هذا التحوّل بهذا الزخم الحالي، إلى جانب سياقه الطبيعي المتمثل في انقلاب 2021 والانتكاسة الكبرى التي صاحبته على مستوى الحريات والقانون والقضاء، فأمرٌ يعود إلى أنه أصبح لهذا التيار الشتّام التخويني التشهيري زعيم ملهم وراع رسمي هو رئيس الدولة نفسه للأسف الشديد.
لم يكن بن علي يتلفظ شخصياً بمفردات الخيانة والعمالة والارتماء في أحضان الخارج وغير ذلك فقد كان يتركها للجريدي، وبعض أمثاله الأقل ابتذالاً ربما، ليصيغوها بمعرفتهم، لكن اليوم لن تجد سعيّد يتحدث، ولو لمرة واحدة، دون أن يقسّم الشعب إلى وطنيين صادقين مخلصين، وآخرين خونة وعملاء ومرتزقة وجبَت مقاومتهم، ولهذا رمى بالكثير من هؤلاء الأخيرين في السجون أو دفعهم إلى المنافي أو الصمت القاتل أو المنع من السفر. حتى البيانات الرسمية الصادرة عن رئاسة الجمهورية، التي يفترض فيها الحد الأدنى من الجدية والرصانة، لا تخلو من ذات اللغة.
ومثلما حظي الجريدي لسنوات طويلة بالحصانة والافلات من المحاسبة، يحظى بعض «رموز» هذا التيار المؤيد للرئيس بذات المعاملة، حتى تأتي ساعة محاسبتهم هم أيضاً. أكثر من ذلك، لقد مكّنت سلطة الأمر الواقع هؤلاء ممّا لم يفعله بن علي مع جماعته وذلك حين أتاحت لأبرز مهرّجيهم أن يصبحوا «شخصيات عامة» لهم برامجهم التلفزيونية التي يعلنون فيها، دون حياء، من سيجري إيقافه، ومن سيلاحق، ومن يجب إدخاله للسجن، فتأتي الوقائع لاحقاً لتؤكد ما ذهبوا إليه مما يعني أنهم أناس مخوّلون رسمياً، بل إن بعضهم كشف عن أحكام قضائية قبل تصريح المحاكم بها!!
في المقابل، لا أحد يقترب من أنصار الرئيس مهما تجنّوا وشتموا وأوغلوا في أعراض الناس وكرامتهم، سواء كان ذلك على مواقع التواصل أو في تصريحات علنية أو في شعارات المظاهرات أو حتى داخل قبة البرلمان. هنا تبدو الرسالة واضحة جليّة: إن كنت ناقداً أو معارضاً فانتظر أي شيء… وإن كنت مع الرئيس فلك أن تفعل كل شيء.
عندما تنحدر السياسة ينحدر معها كل شيء، بما في ذلك مستوى المؤيدين للسلطة والمتظاهرين الداعمين لها. في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة كان من يكتب أو يتحدث مدافعاً عن سياساته وخياراته الكبرى، شخصيات من قامات محمود المسعدي والشاذلي القليبي ومحمد مزالي والحبيب بولعراس وغيرهم، وعندما جاء بن علي تدحرج المستوى تدريجياً مع الأعوام حتى انتهى به الحال إلى الجريدي وأمثاله، وفي السنوات الأولى بعد رحيل نظامه اختلط الحابل بالنابل بحُرية لا ضوابط لها، حتى «استقرت» الأوضاع على ما يعانيه التونسيون حالياً مع سعيّد، ليكونوا جميعاً شهوداً على الحضيض الذي بلغه الانحطاط السياسي. انحطاط يختلط فيه الاستبداد البائس بالشعبوية الضحلة، بصفرِ إنجازات وكلام كثير عن «السيادة الوطنية ورفض التدخل الأجنبي»، ليفرزوا في النهاية هذا المستوى المزري والحزين من الرثاثة… إلى أين تطوى هذه الصفحة الكئيبة كما طويت غيرها.

كاتب تونسي



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان

الحبس 6 أشهر لسيدة احتالت على أخرى بإبرة تجميل من إسرائيل

هدى العتوم تنتقد السماح باحتفالات الهالوين والتضييق على احتجاجات غزة

87 مليون يورو من صندوق المناخ الأخضر لدعم مشاريع في الأردن

شركات استبدلت موظفيها بالذكاء الاصطناعي ثم تعود لتوظيفهم .. ما القصة؟

القضاء العراقي يسترد 21 مليارا عن جريمة احتيال مالي

السيسي يصدر 3 توجيهات تهم ملايين المصريين

زين تعزز منظومة حماية الأسرة والطفل بالتعاون مع مؤسسة نهر الأردن

ما حقيقة فرض غرامة 225 ألف دينار على مزارع بسبب مياه الأمطار؟

وزير الثقافة يعلن بلدة "حمود" مدينة للثقافة الأردنية لعام 2027

الذهب والنفط وفلس الريف .. "الطاقة" تستعرض تقدم مشاريعها الاستراتيجية

الصادرات الأردنية للاتحاد الأوروبي ترتفع إلى 411 مليون دينار

5 شهداء ومصابون في قصف الاحتلال مواصي خانيونس بغزة

مجمع الملك الحسين للأعمال يوقع مذكرة تفاهم مع اتحاد الرياضات الإلكترونية

انطلاق المؤتمر الفني الدولي الـ38 للاتحاد العربي للأسمدة بعمان الثلاثاء

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة

أردنيون أمام مهلة شهرين لتسديد التزامات مالية .. أسماء