تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

10-02-2026 10:08 AM

كيفَ ترى المدارسُ الفكريةُ المختلفةُ في العلاقات الدوليةِ والأمن الإقليمي معضلة إيران؟ وهل تستحق المواجهةَ العسكرية؟ وما التكلفة السياسية والاستراتيجية لمثل هذه المواجهة؟

تخيّل نفسك لساعتين في غرفة واحدة مع أهم منظّري العلاقات الدولية كما عرضتهم أنت: جون ميرشايمر وستيف والت، ومن قبلهما كينغ والتز، وحتى هانز موجنثاو. كيف سيقرأ هؤلاء الكبار معضلة إيران وطريقة تعاطي الولايات المتحدة معها؟

تنطلق الواقعية السياسية، بشقّيها الهجومي والدفاعي، من فرضية مركزية: المشكلة ليست في طبيعة النظام السياسي، أيّ نظام، وليس في إيران وحدها، بل في البيئة الأمنية التي تتحرّك داخلها الدولة. أي دولة، وليس إيران حصراً.

فالواقعيون لا ينظرون إلى الآيديولوجيا بوصفها محركاً أول للسلوك، بل يرون أن الخوف وانعدام اليقين وتوازنات التهديد هي التي تدفع الدول إلى خياراتها القصوى.

من هذا المنطلق، لا يرى لا ميرشايمر ولا والت أنَّ «تغيير النظام» يمكن اعتباره حلاً استراتيجياً. فحتى لو تغيّر النظام في إيران غداً، فإنَّ البيئة الإقليمية نفسها التي تحرَّك فيها النظام السابق ستظل هي الإطار الذي يعمل داخله النظام القادم. التهديدات هي ذاتها، والخرائط الأمنية لم تتبدّل، وشعور الدولة بأنَّها محاطة بخصوم محتملين لن يتغيّر بتغيّر الخطاب السياسي أو المرجعية الآيديولوجية.

ولهذا؛ يصبح سعي الدولة إلى امتلاك أدوات ردع قصوى خياراً عقلانياً في منطق الواقعية، لا تعبيراً عن نزعة عدوانية فريدة. فالفرق بين إدراك التهديدات الحقيقية والمتخيّلة ليس كبيراً في حسابات البقاء. المهم أنَّ الدولة تعتقد بوجود تهديد، وأنَّ بيئتها الأمنية لا تمنحها ضمانات مستقرة.

في هذا السياق، يكون الحل الواقعي هو إعادة ضبط ميزان التهديد على مستوى الإقليم كله، لا عبر ضربات عسكرية جزئية، بل عبر بناء ترتيبات ردع مستقرة، وقنوات تواصل أمنية دائمة، تقلّل من مخاطر سوء التقدير وسوء الفهم، وتمنع الانزلاق غير المقصود إلى حرب واسعة لا يريدها أحد، لكنها تظل ممكنة في بيئة عالية التوتر.

في المقابل، لو حضرت محاضرة لروبرت كوهين، الذي ينطلق من فرضيات الليبرالية المؤسسية، لوجدت أن منظوره يختلف جذرياً عن منظور الواقعيين. فروبرت كوهين لا يرى أنَّ معالجة أزمة بحجم الأزمة الإيرانية يمكن اختزالها في الردع العسكري، ولا في ميزان القوة وحده.

من هذا المنظور، ليست القوة العسكرية سوى أداة من بين أدوات متعددة. الاستقرار، في رأيه، يمكن أن يُبنى من خلال إدماج إيران داخل شبكة طويلة الأمد من الالتزامات المؤسسية، تقوم على آليات تحقق دولية فعّالة، وحوافز اقتصادية، وترتيبات تعاون إقليمي تجعل تكلفة الخروج من النظام التعاوني أعلى من تكلفة البقاء داخله.

وحتى داخل هذه الرؤية، لا تظهر فكرة «تغيير النظام» شرطاً ضرورياً. فالمهم ليس مَن يحكم، بل كيف تُهندَس القواعد التي يتحرك داخلها النظام. فإذا نجحت هندسة الحوافز، ورأت إيران أنَّ وجودها داخل منظومة أمن إقليمي تعاوني يخدم استمراريتها كدولة، فإنَّ منطق المواجهة الصفرية يفقد جزءاً كبيراً من جاذبيته. بكلمات أخرى: هندسة الحوافز هي الحل، لا هندسة الأنظمة.

أما إذا صادفت أليكساندر ويندت وجماعة البنيوية في العلاقات الدولية، فستسمع طرحاً مختلفاً جذرياً. فالمشكلة الأساسية، في رأيهم، ليست في المصالح كما يركز كوهين، ولا في توزيع القوة كما تركز الواقعية، بل في الصور الذهنية المتبادلة، وفي تمثلات الهوية، وفي إدارة الانطباعات الخاطئة التي تدفع الدول أحياناً إلى مسارات تصعيدية لا تخدم مصالحها الفعلية.

في هذا المنظور، لا أميركا هي «الشيطان الأكبر» كما ترى القيادة في طهران، ولا إيران هي أصل الشر في الإقليم كما يصوّرها بنيامين نتنياهو ودونالد ترمب. ومع ذلك، ترى واشنطن إيران بوصفها تهديداً بنيوياً دائماً، وترى طهران الولايات المتحدة قوة تسعى، في جوهر استراتيجيتها، إلى إضعاف النظام أو تغييره متى سنحت الفرصة.

ومن هذا المنطلق، فإنَّ أي اتفاق بين إيران وأميركا سيظل اتفاقاً هشاً ما دامت هذه الصور الذهنية المتبادلة هي التي تحدد الرؤية الاستراتيجية للطرفين. البنيوية لا تدعو إلى «تغيير الثقافة الإيرانية»، ولا إلى إعادة تشكيل الهوية الوطنية، بل إلى تغيير إطار تفسير السلوك والنيات لدى الطرفين، عبر مسارات تواصل طويلة الأمد، وتراكم تدريجي للثقة، يسمح بإعادة تعريف التهديد خارج منطق النوايا الخبيثة الدائمة.

ولو افترضنا أنَّك قابلت كل هؤلاء الأساتذة في يوم واحد، وجمعت هذه الرؤى المختلفة بعد تأمل، لأدركت بوضوح أنَّ حلَّ المعضلة الإيرانية لا يقوم على تغيير النظام، ولا على إعادة تشكيل المجتمع الإيراني، بل على فهم الأزمة على ثلاثة مستويات مترابطة.

المستوى الأول يتعلق بتعديل البيئة الأمنية الإقليمية الممتدة من إيران، مروراً بتركيا، وصولاً إلى الخليج والمغرب.

والمستوى الثاني يقوم على بناء منظومة مصالح مؤسسية طويلة الأجل بين دول الإقليم، لا تقوم على صفقات ظرفية أو تطبيع مجاني، بل على شبكات اعتماد متبادل تجعل تكلفة الصراع أعلى من تكلفة التعاون.

أما المستوى الثالث، فيتعلق بالعمل التدريجي والمنهجي على تفكيك الصور الذهنية العدائية التي بلغت مداها.

من هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم: هل يُعدّ الحشد العسكري الأميركي استعداداً لضربة محتملة على إيران سلوكاً عقلانياً؟ وفق المنظور الواقعي، لا تكون القوة مجدية إلا إذا حققت مكسباً استراتيجياً دائماً، أي منع إيران فعلياً من امتلاك قدرة ردع نووي قابلة للحياة. غير أنَّ المفارقة، حسب الواقعية نفسها، أنَّ النتيجة المرجحة هي العكس تماماً: تسريع اندفاع إيران نحو ترسيخ الردع، وتعميق منطق الاعتماد على الذات، ورفع تكلفة الاحتواء المستمر على الولايات المتحدة وحلفائها.

أمَّا الليبرالية المؤسسية، فترى أنَّ التصعيد العسكري، حتى لو نجح تكتيكياً، يضعف منظومات التفتيش والرقابة، ويقوّض الثقة في الأطر التعاونية الدولية، ويدفع إيران إلى الانسحاب من مسارات الضبط بدلاً من تعميقها.

في حين تضيف البنيوية أنَّ الحشد العسكري يعيد إنتاج سرديات العداء المتبادل، ويغلق أي نافذة لتحول إدراكي في النوايا، ويجعل من الصعب إعادة تعريف الصراع خارج منطق المواجهة الصفرية.

وعليه، لا تكمن المعضلة في نقص أدوات القوة، بل في سوء تشخيص طبيعة الصراع ذاته. فإيران ليست مجرد ملف تقني مرتبط ببرنامج نووي، بل عقدة أمنية وإدراكية ومؤسسية مركّبة. ومن دون معالجة متزامنة للبيئة الأمنية الإقليمية، وشبكة الحوافز المؤسسية، والبنية الإدراكية للصراع، ستظل المواجهة العسكرية طريقاً مرتفع التكلفة لإدارة أزمة ولا تقترب فعلياً من حلها.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد