جماليات الشر في «مرتفعات وذرينغ!»
10-02-2026 09:56 AM
حين صدرت رواية إيميلي برونتي عام 1847، كان مزاج الرواية الإنكليزية مأخوذاً بفكرة الحب الخجول، وبالمشاعر التي تدار داخل أعراف الطبقة، وتختبر عبر الذكاء الاجتماعي، مع ترقب ضمني بأن النهاية ستعيد ترتيب الفوضى العاطفية. هذا هو تقريباً إرث جين أوستن في السخرية من الزواج المصلحي وفن المناورة الاجتماعية، الذي بقي مرجعاً واسع التأثير في الذائقة العامة طوال منتصف القرن التاسع عشر.
جاءت «مرتفعات وذرينغ» ودمرت القاعدة المألوفة؛ فهذه الرواية سحبت مساحة الأمان من عقل القارئ المسترخي، ووضعت طريقة تعاطيه مع مشاعره الخاصة في قلب عاصفة، لتتركه يتضخم حتى يصير نظاماً يفرض منطقه على كل شيء: من هنا بدأت الصدمة الأولى، ومن هنا أيضاً يبدأ سر بقائها حية يتردد عبر القرون.
إن عالم هذه الرواية لم ينطلق من مشهد اعتراف عاطفي، (I love You) أو وعد رومانسي (هل تقبلينني زوجاً لك؟)، إنما ينطلق من مكان آخر؛ من أرض متحركة مليئة بالمخاوف، من بيتين يختصران طبقتين ومزاجين وقيماً مختلفة: الأول، بيت قاس في وسط الريف، والآخر بيت أكثر رفاهية ونعومة، وما بينهما يتحرك طفل غامض الأصل، اسمه هيثكليف، كحجر أسود سقط في بركة هادئة، فأفسد صفاءها الى الأبد.
منذ لحظة ظهوره الأولى، يتعلم هيثكليف درساً لا ينساه: المجتمع لا يحتاج إلى سبب كي يطرد الغريب، يكفي أن يكون غريباً. ثم يتعلم درساً أشد قسوة: الحب الذي يمنح بلا مشاعر مؤكدة يمكن أن يختفي في لحظة، أما آثاره فتبقى جرحاً عميقاً في الروح.
لهذا يصعب التعامل مع علاقة هيثكليف وكاثرين على أنها قصة حب تقليدية كما تعودها القراء في «كبرياء وهوى»، على سبيل المثال.
ما يحدث بينهما أقرب الى تعلق قهري ومرَضي يستمد طاقته من الحرمان والإهانة، والخوف من الفقدان. كاثرين لا تحب هيثكليف بطريقة يمكن للمجتمع أن يفهمها. كانت تحبه كما يحب المرء جزءاً من عالمه المفقود. هذا النوع من الحب يأخذ شكلاً هستيرياً، حتى إنهُ لا يعترف بالأخذ والعطاء. وفي اللحظة التي تضع فيها كاثرين قدماً داخل منطق طبقتها واسم العائلة وما توفره من أمان، يأتي الصدع العاطفي نهائياً. لا يعود الخلاف مجرد خلاف قلبين، يتحول إلى قتال على المكانة: من يملك الحق في تعريف الحب؟ ومن يملك الحق في أن يعيش دون أن يدفع ثمن فقره وأصله المجهول؟
هنا تظهر المكانة كقوة خفية تدير المشاعر مثلما تدير الميراث. اختيار كاثرين للزواج من إدغار لينتون لم يكن نزوة مراهقة عابرة، ولا خيانة عاطفية ساذجة لهيثكليف؛ هو قرار مبني على وعي قاس بحقيقة هذا العالم: فالبيت الثري الهادئ يمنحها مستقبلاً. غير أن هذا القرار يفتح باباً آخر بداخلها هو باب الندم، وباب الكراهية الذاتية، وباب رغبة دفينة في العودة إلى العاصفة التي تحررها من قواعد الصالون. كاثرين كانت تعيش هذا التناقض بكل جروحه: تحتاج الأمان، وترغب بالحرية، ولا تستطيع أن تملك الإثنين معاً، فتدفع الثمن غالياً من جسدها وروحها.
هيثكليف بدوره، لا يواجه الفقدان بالحزن والدموع. هو بالنسبة له إهانة تستدعي الرد العنيف. من هذه النقطة يبدأ شكل من أشكال الشر الذي يعرف كيف يبدو جميلاً. الشر كإرادة باردة، وصبر طويل، وقدرة على تحويل الأذى إلى دسائس شخصية.
بعد رحلة غياب متعمدة، يعود هيثكليف وهو يحمل المال والقوة، ويباشر تنفيذ مخططاته في الاستيلاء على تاريخ المكان، ورغبات الناس والأسماء والذاكرة. لا يكتفي بأن يستعيد كرامته، إنما يريد أن يجعل الجميع يدفعون ثمن الدرس الذي تعلمه: العالم يمارس الإذلال، ويجب أن نرد الذل مضاعفاً.
كثيرون يصفون هيثكليف بتركيبة سيكوباثية، ليس من باب التشخيص الطبي المباشر، وإنما لفهم نمط هذا النوع من السلوك: قسوة منظمة، تلاعب، انتقام يتجاوز الهدف الأول ليصير أسلوب حياة. ومع ذلك، لا تقدم الرواية هيثكليف كوحش محض، بل تقدم جراحه بوصفها جزءاً من بنيته الشعورية والذهنية، وتترك القارئ في مساحة رمادية: هل يدين أفعاله؟ هل يتفهم كيف تشكلت تلك الأفعال؟ هذا بالضبط هو جوهر «جماليات الشر» في الأدب: أن يجعلك النص ترى الشر وهو يزلزل المكان البارد الذي يشبه التابوت ببطء، فإنه يبث الحياة التي تبدأ بالسريان مثل فيضان تبنى على أطلاله قلاع جديدة؛ إنه الشر بوصفه تجريدياً دون مواعظ أخلاقية.
هنا، في هذا النوع من الشر، تظهر خطورة الحب عندما يقترب من فكرة التعلق المرَضي. لا تبقى العلاقة علاقة بين شخصين؛ بل تتحول إلى ساحة صراع وانتقام. فمن يملك المكانة يملك حق الاختيار، ومن لا يملكها يحاول امتلاك الإنسان نفسه؛ فيتحول الحب إلى ملكية، والغيرة الى عنف، والحنين الى ذريعة للعقاب. بهذا المعنى، «مرتفعات وذرينغ» تكتب عن الحب بوصفه سلطة، وعن السلطة بوصفها حباً مزيفاً. ليس غريباً أن يقرأها كثيرون اليوم كمرآة لعلاقات معاصرة تتغذى على عدم التكافؤ: تفاوت في المال، بالإضافة إلى تفاوت في المكانة، ثم تفاوت في القدرة على الانسحاب. هنا يصبح التعلق سجناً أبدياً.
سيرة ايميلي برونتي تساعدنا على فهم هذا الخطر في روايتها. هي ابنة عزلة ريفية كئيبة، وبيت بتقاليد كنسية، وعالم صغير تتضخم فيه المشاعر لأن الحياة الخارجية محدودة. تعيش مع أختيها شارلوت وآن، لتصنع ما يشبه ثالوثاً أدبياً: شارلوت بنت ضميراً فردياً يفاوض المجتمع ويقاومه. وآن فتحت أسئلة الأخلاق والسلطة داخل البيت والزواج والدين. أما إيميلي فذهبت إلى منطقة أشد خطراً: الإنسان حين يظهر بلا أقنعة، وحين لا يجد في نفسه رغبة في التهذيب. لهذا بقيت روايتها الوحيدة كأنها مكتوبة من خارج عصرها، أو كأنها تتقدم على عصرها بخطوات قاسية ومريرة.
حين تقترب السينما من «مرتفعات وذرينغ» تواجه مشكلة تكرر باستمرار: هل تجرؤ على تقديم الرواية كما هي، بعنفها النفسي، وبقسوتها التي لا تطاق، وبحقيقة أن الحب قد يكون أداة تدمير؟ أم أنها ستختار النسخة الآمنة التي تحول الهوس إلى رومانسية لطيفة، وتضع للشر معنى جذاباً يستهلك دون شعور بالألم؟ كل اقتباس جديد يعيد طرح السؤال نفسه، لأن الرواية تقاوم التجميل، فلا تمنح صانعيها نهاية تريح الجمهور، ولا تقدم بطلاً يليق بتعريفات الحب الرومانسي الشائعة.
في النهاية، قيمة «مرتفعات وذرينغ» لا تكمن في سوداويتها وحدها، قيمتها الجوهرية في صراحتها: تقول إن الحب قد يتحول إلى شر حين يصير تعلقاً مرَضياً، وحين يلبس لباس التملك الجنوني، وحين يطلب من الآخر أن يكون شرطاً حتمياً للوجود. وتقول أيضاً: إن الشر قد يملك جمالاً سردياً يفتننا، ليس لأنه صحيح، إنما لأنه يكشف شيئاً نود إخفاءه: إن داخل الإنسان طاقة يمكن أن تحب وتؤذي في الوقت نفسه، وإن المجتمع حين يصنع غرباءه يصنع أيضاً وحوشه، ثم يستغرب ويدعي البراءة دون إدراك أو وجل.
أين مجلس القضاء الأعلى من رقصات العصر الوحشي حول الضحية
مهرجان جرش الاربعين… منصة السردية الأردنية إلى العالم
الاسواق الحرة تنعى مازن الساكت
الداخلية: تمديد ساعات العمل يرفع حركة الشحن عبر الكرامة بنسبة 262%
بروكسل تؤكد دعمها التحقيق بالاعتداءات الجنسية على الأسرى الفلسطينيين
عشية جولة محادثات ثالثة .. إسرائيل تقتل 30 شخصا بـ77 هجوما على لبنان
مجلس الشيوخ يثبت كيفن وارش رئيساً للاحتياطي الفيدرالي
تتارستان .. يوم الأزياء المحتشمة أبرز فعاليات منتدى قازان الدولي
فانس: أعتقد أننا نحرز تقدما في المحادثات مع إيران
زيلينسكي: موسكو أطلقت ما لا يقل عن 800 مسيرة على أوكرانيا الأربعاء
الجيش الجزائري يجري تمارين بالذخيرة الحية في منطقة حدودية مع المغرب
الأمير تميم يبحث مع رئيس الإمارات التنسيق المشترك لدعم أمن الإقليم
تركيا ترد على اعتراض اليونان لاستخدام مصطلح المضائق التركية
ارتفاع قياسي في حركة الشحن عبر حدود الكرامة بعد تمديد ساعات العمل
رفع تعرفة التكسي اعتباراً من الغد
نقيب الأطباء يكشف مفاجآت صادمة حول طبيب التجميل المتهم بهتك عرض أحداث
غموض نتائج الفحوصات يثير التساؤلات حول حادثة تسمم طلبة “اليرموك النموذجية”
للأردنيين .. غرامة تصل إلى 5 آلاف دينار لمرتكب هذه المخالفة
طبيب تجميل شهير يواجه تهمة هتك عرض أحداث في الأردن .. تفاصيل صادمة
فاجعة تهز الأردنيين بالغربة بعد مقتل علي الأشقر .. التفاصيل
تطورات جديدة بقضية المتهم بهتك عرض 3 أحداث
الرمثا إلى نهائي كأس الأردن على حساب الفيصلي
الأمن العام يوضّح قضية هتك عرض أحداث من قبل أحد الأشخاص
قبل أن تخطط للتنزه الجمعة .. انتبه هذه المناطق تحت تأثير رياح قوية
الأردنيون يحسمون موقفهم من عودة حبس المدين
نزوح قرابة 50 ألفا من ولاية النيل الأزرق خلال العام
شاب يقتل والدته في عمان .. تفاصيل
