لماذا الموت وليس الخلود
الموت يتشكل بمثابة المحو، محو الإنسان من على خريطة الحياة، وهذا المحو لا يمرّ دون جلبة، هناك أشياء كثيرة تحدث ونحن نودّع الجثمان، تختلف تلك المراسم من ثقافة إلى أخرى، لكن ما يستوقف في ثقافتنا هو سرادق العزاء، الذي يستمر لثلاثة أيام على الأقل، يستقبل فيه أهل الميّت التعازي في فقيدهم. لكن ما يحدث داخل السرادق قد يكون محاولة للتطبيع مع الموت، أي أنّ المعزّين يحاولون تحويل مناخ الموت إلى لقاء، مجرّد لقاء يشربون فيه الشّاي أو القهوة، وحين تحلّ مواعيد الوجبات الرئيسية يتحلّقون حول موائدها ضاحكين منكّتين، والشّيء الوحيد المنسي داخل جلبة العزاء هو «مصيبة الموت» حسب المصطلح الدّيني، المواساة الحقيقية التي يجب أن تحدث، يُتغافل عنها لصالح ما ذكرنا.
التطبيع مع الموت، هو محاولة مستميتة كي يتم استقبال النّهاية كما أي نهاية أخرى، نهاية مرحلة العمل، نهاية الزواج، نهاية التعاقد.. التطبيع مع الموت هو انعكاس آخر لحالة رفض الموت، أو الخوف من الموت، أو محبة الخلود للتنعّم بحياة تتعدّد أشكالها متساوقة مع رغبةٍ في عمق النّاس للاستمرار في ممارسة فعل «العلاقات مع الظاهر» التي تستوجب التفاعل، الحركة في مسار الموجود، الموت هو «اللاعلاقة»، أو «العلاقة مع المخفي» أي احتجاب التفاعل. للموت سلطة في إحداث الفزع، «قدرته (الموت) على الهوس هي القدرة الأكثر قوّة عندما يهدّد، يقلق، يهين سفاهة اشتهاء الحياة المنيع»، كما يقول بول ريكور في «حي حتى الموت».
وهنا يطرح السؤال الجوهري لماذا الموت؟
سؤال يجرّنا حتما إلى طرح سؤال آخر هو لماذا الانتحار، إذا كان الإنسان يخاف الموت ويتشبّث بالحياة؟ وعي الموت هو وعي عميق بالحياة، لأنّ الموت جزء منها، والإنسان يهاب الموت بطبيعته الهشّة الهاربة من الغامض، فالموت هو توقّف ما كان عليه من الحركة والدخول في مرحلة التيبّس الوجودي الذي لا تترجمه سوى حالة القبر المظلم كعلبة لاحتواء الجثة الصّائرة إلى رفات. عدم تحمّل الإنسان شكل الصّيرورة الجسدية وهي تؤول إلى «ظلمة» متحوّلة إلى «رميم» و»عفونة»، ربّما يكون من الأسباب التي لا تتحمّل الرهافة الوجودية فظاعتها.
هل الخلود هو حل للإنسان وهو يحاول الهروب من متاهة الموت؟
طبعا هذا يعود بنا إلى طبيعة الإنسان وهو ينشد التّغيير وعيش مراحل مختلفة من العمر بكل امتلاء و»غبطة»، فهو يحوّل الطفولة إلى جنون ومشاكسة، يعشق فيها انطلاقه من دون حدود ولا محاسبة، باعتباره غير مسؤول، ثم يدخل مرحلة الشباب ليجد فرصة التوهّج داخل شرنقة الأحلام وعيش الحياة بكل عنفوان «القدرة» والطاقة المحوِّلة، ثم مرحلتي الكهولة والشّيخوخة ليعيشها الإنسان وفق معايير الحنين إلى الطفولة كميكانيزم لتجاوز محطة النّهاية. هذه التحوّلات التي يعيشها الإنسان بكل لذّة المغامرة، تجعل فكرة الخلود مهتزّة في مجال التفكير والاعتبار. المرحلة القريبة من ديمومة الحياة هي الشّباب، لأنّها تتوافق والقدرة على تحمّل أعباء الحياة لقوّة الوظائف الحيوية وطاقة الاحتمال الجسدية، ولكنّ الإنسان ميّال إلى التّغيير والتجربة والمغامرة، ولهذا سوف لا يطيق الاستمرار في مرحلة عمرية فريدة لاعتبارات «الملل»، والملل لا يزيحه سوى ترياق التّغيير، والتّغيير يتطلّب مراحل عمرية تؤكّد المعنى العميق للوجودية، أي التجربة الحياتية متعدّدة الأوجه والأشكال.
تنسف مرحلة الاحتضار فكرة «الخلود» المترغّبة عند النّاس، لأنّ الحيّ الذي يتابع مراحل نهاية الإنسان في الموت، لا يعدّ لحظة الاحتضار من الحياة، بل هي لحظة موت على أساس أنّ المحتضِر آيل إلى الموت، بينما الاحتضار هو جزء من الحياة، فكيف بالإنسان يطلب الخلود ويلغي جزءا من الحياة (الاحتضار) ويعدّه موتا!!
يطرح الإنسان سؤال لماذا الموت، لأنّه يحمل في طيّاته فكرة الطفولة المستمرّة، النّزق المتوافق وطفرات الحياة، الحياة لا تقف عند السّعادة المثالية التي يتوقعها الإنسان، الحياة تفاجئ المسار الوجودي بشتى صنوف «الشّقاء»، التعب الوجودي الذي لا مفر منه سوى بالرّاحة الوجودية التي تتمثل أصلا في «الفناء»، ولهذا انبثقت الرّغبة في «الموت الرّحيم»، طبعا ليس كمطلب تحقيق، ولكن كسلوك لتفسير بطلان فكرة الرّغبة في الخلود. تماما كما فكرة الانتحار، الذي هو انعكاس لحالة «انسداد الأفق»، أو «التحقق الترفي للرّفاه»، أو الخلل النّفسي المعيق لحركة الذّات في مسارها السوي، جميعها عوامل تكشف عن عدم القدرة على استكمال مسار الحياة في اللانهائي المحايث للخلود.
«الإيثانزيا» (الموت الرّحيم) أو الانتحار، جميعها ترفضها، بل وتحرّمها الشّرائع والأديان، لأنّها اعتداء على الرّوح التي هي ملك للخالق، لكنّهما يكذّبان حالة الرّغبة الفانتازية في الحياة المستمرّة. نسج الإنسان لرغبة الخلود أساطير وحكايات، منها حجر الفلاسفة أو إكسير الحياة، وأسطورة «جلجامش»، حيث يبحث عن الخلود، فيرشده أوتنابيشتيم إلى «نبتة الخلود» تحت الماء. يتصارع جلجامش الطاغية مع أنكيدو وهو «مخلوق الآلهة يضاهيه في القوة»، ويتولّد عن صراعهما صداقة تستمر إلى حين وفاة أنكيدو، مفاد الأسطورة أن لا خلود للإنسان، حيث بعد حصول جلجامش على نبتة الخلود تأكلها الحيّة. ربّما في صراع جلجامش وأنكيدو تتحقّق رمزية الصّراع من أجل الخلود، فطغيان جلجامش معناه القوّة المؤدّية إلى الهلاك، وقد يكون أنكيدو هو العامل المساعد على القضاء على الموت في صورة الطغيان، لكن الطبيعة البشرية تعجز عن الإفلات مما صاغته لها الأقدار، فيقع التوافق بين الطّاغية والمُواجِه له ليُنتَج العدل والتعايش، إذ يتحوّل جلجامش إلى ملك عادل، وهي القيم التي يجب توفّرها في مسار العيش وليس الخلود، وباعتبارهما قيما يتم خلود الإنسان، أي الخلود بالعمل، بما ينجزه ويحققه ويمثل مصدرا للسّعادة بالنسبة للنّاس.
يبحث الإنسان عن الخلود، لكن لا يحدّد المرحلة التي يستقر عليها في خلوده، هل هي مرحلة الطفولة، إذا كانت كذلك فإنّه ستفوته أشياء الشباب الحالمة والمنطلقة والمتحرّرة، وإذا استقرّ على مرحلة الشباب فإنّه سيفوّت مرحلة الشيخوخة، التي تنعم بما حقّقته في مرحلتي الشباب والكهولة، ليس على المستوى المادي وحسب، بل على مستوى العقل والأخلاق وهو ما ندعوه «حكمة الشيوخ». قد يكون كبد الإنسان في بحثه عن الخلود متوجّها نحو شيخوخة بلا أمراض ولا ضعف، ولكن سيكون الحاكم في ذلك الملل.
إنّ البحث عن الخلود، إنّما هو لعبة تعود بالإنسان إلى المرحلة الطفولية، حيث الأنانية المفرطة هي الحاكمة، ومن الأنانية ذلك النّزق في غلبة منطق الاستحواذ على براءة الطفولة، استحواذ بريء لكنّه مزعج، لكن في حالة الخلود فهو يعني الاستحواذ على الحياة، ولا يمكن تحقّق ذلك بسبب القاعدة العقلية: «بضدها تعرف الأشياء»، لا بد من ضدٍّ للحياة حتى تُعرف طبيعتها وحقيقتها وغاياتها.
سؤال الخلود يقودنا إلى حقيقةٍ مفادها، أنّ الإنسان لا يحب الحياة، بل يحب أن يحيا، فهو يضع تصوّرا للحياة التي يريدها، يعيشها حسبما يتخيّل من إمكانات السعادة، التي تجعلها مطابقة لما يريد أن يحياه، هو لا يحب الحياة في المطلق بل يحب حياة بعينها لا يمكن أن تتحقّق، لأنّ الحياة هي كل تلك المعاني التي تشكل الإنسان، وتشكل واقعه، الذي حسب القرآن الكريم هو «كبد»، وضمن الكبد تتحقّق لحظات السّعادة المعنوية المتجاوزة للسّعادة المادية، أي تلك السّعادة التي تكشف عن المعنى في الإنسان المتجاوِز إلى غيره، يتشكل وفقا لوجوديةِ آخر تتحقق من خلاله ذاته، بعيدا عن كل أنانية. ذلك معنىً آخر من معاني الخلود الكامن في ما ينجزه الإنسان وليس في ما يتغيّاه من إلغاءِ معادلة الموت من وجوديته، لأنّه لا موجود بحقٍّ سوى خالق الحياة والموت سبحانه.
كاتب جزائري
وزير الخارجية الروسي: الطريق لا تزال طويلة أمام المحادثات بشأن أوكرانيا
عباس ينشر مسودة الدستور المؤقت ويدعو لمشاركة شعبية
مقتل 7 أشخاص في حادث بمنجم ذهب شرق الصين
لاريجاني يصل إلى سلطنة عُمان بعد أيام على جولة مفاوضات مع واشنطن
هل تحتاج السَّردية الأردنية إلى لجنة ملكية متخصصة ؟
رجال لم يجتمعوا إلا في مزرعة الحرية .. لغز الكرسي
الذهب يواصل تسجيل أرقام جديدة في السوق المحلية
2038 طنا من الخضار ترد السوق المركزي اليوم
وفد إعلامي أردني يطلع على التجربة الأذرية في التخطيط العمراني
تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران
وفد اقتصادي أردني يبدأ زيارة رسمية إلى دمشق لتعزيز الاستثمار
فيروس نيباه .. خطر عالمي يفتقر للعلاج واللقاح المعتمد
الصحة العالمية بحاجة لمليار دولار لمكافحة أزمات العالم الصحية في 2026
إلغاء نسخة 128 جيجابايت قد يجعل آيفون 18 برو أغلى
كارلسون: وادي رم أحد أجمل الأماكن على وجه الأرض
أردنيون مدعوون للامتحان التنافسي في الحكومة
عمرو دياب أول فنان يحقق 3 مليارات استماع على أنغامي
كم تجني البنوك من أرباح سنوية في الأردن .. ومن يتحمّل مسؤولية المستقبل
دراسة تكشف تأثير الملح على الدماغ
دعاء اليوم الثاني والعشرين من رمضان 1447
مأساة عروسين .. دخلا المشرحة بدلاً من عش الزوجية
سيدة الشاشة الخليجية بغيبوبة تامة

