حضر «المخزن» وغابت الحكومة في القصر الكبير

حضر «المخزن» وغابت الحكومة في القصر الكبير

06-02-2026 12:44 AM

نعم، هذا هو «المخزن»، نقولها بـ «الفم المليان»، وليس بالمعنى القدحي الذي يروّجه إعلام يُصنِّف نفسه مُعاديًا للمغرب، ويظلّ أناء الليل وأطراف النهار ينظم قصائد الهجاء في هذا البلد الجار الموجود بالواجهة الغربية، في أقصى نقطة من العالم العربي.
قالها محدّثي، وهو مثقف يساري معتدل رصين. حجّته في ذلك أن سكان مدينة «القصر الكبير»، بعدما حاصرتهم الفيضانات من كل جانب، لم يجدوا بجانبهم غير «المخزن» الذي هبّ لتلبية توجيهات رأس الهرم فيه، الملك محمد السادس. حضر الجيش والأمن الوطني والدفاع المدني والدرك الملكي ورجال ونساء الإسعاف، كما حضر ممثلو السلطة المحلية وفي مقدمتهم عامل (محافظ) الإقليم وأعوانه.
وكان هناك أيضا جنود الخفاء المكلفون بشؤون السد والتجهيز والماء والكهرباء وغيرها… وبعض الغيورين من المنتخبين المحليين والمجتمع المدني.
ولكن، لم تكن هناك الحكومة، خاصة رئيسها عزيز أخنوش والناطق الرسمي باسمها، لقد أخفت رأسها في الرمال كما تفعل النعامة، على حد تعبير القول المأثور. كما توارت أحزاب الأغلبية الثلاثة، وعوض ذلك أخذت تُعدِّ العدةّ للانتخابات التشريعية المقبلة التي تفصلنا عنها سبعة شهور. بينما كان ينتظر من الحكومة وأغلبيتها الحزبية أن تتواصل مع المواطنين عامة، بمن فيهم سكان المنطقة المنكوبة، من أجل طمأنتهم أولاً، ومن أجل تقديم المعلومات الضرورية لهم ثانيًا، وثالثًا من أجل الوقوف معهم ماديًا ومعنويًا في المدن والقرى التي يفرّون إليها مضطرّين خوفًا من هجوم المياه الهادرة.
«المخزن» وحده مَن ظلّ مُرابطًا هناك، يساعد الأهالي على الجلاء من بيوتهم، ويقدّم لهم الإرشادات، ويخفف من روعهم، ويوفّر لهم وسائل المواصلات للانتقال إلى أماكن الاستقرار المؤقتة، ويعمل على إنقاذ المحاصرين بالمياه، كما يتيح للأهالي جميعهم المأوى والمأكل في ظروف غاية في الأمن والنظام والدقة والإدارة.
لا ننثر الورد على «المخزن»، بل هي حقيقة واضحة للعيان. لنتأمل هذه المشاهد الواقعية المثيرة، الناس يهجرون منازلهم ويغادرون مدينتهم دون أن تقع الفوضى أو يقع أي احتكاك، رغم الضغط النفسي القوي.
والانضباط سائد في مراكز الإيواء، سواء كانت خيامًا هُيئت بشكل بديع، أو مآوٍ الطلاب، أو مدارس وثانويات.
ومع ذلك… «المخزن»، «المخزن»، «المخزن»… تلك هي الكلمات التي تتردد باستمرار في النشرات الإخبارية والبرامج الحوارية لتلفزيون البلد الجار للمغرب، وتتكرر بصيغ قدحية أيضًا على لسان جيشه الإلكتروني المنتشر في المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي.
ومَن يتابع كل هذه الحشد يتصور كما لو أن الناس بإزاء إعلام حربي يواكب الهجوم على الجيران الذين تربطه بهم أواصر الدين والدم واللغة.
بيد أن المثير للانتباه أن الإعلام الرسمي المغربي لا يتعامل بالمثل، ولا يردّ له الصاع صاعين، وإنما يعتمد التجاهل المطلق وعدم الإساءة.
أليس المطلوب من الإعلام أن يكون وسيلة للتقارب والسلام، لا أداة لتكريس الضغائن؟

التنمية بإيقاع السلحفاة

من حين لآخر، تتضمن نشرات الأخبار في التلفزيون المغربي «ربورتاجات» عن بعض المناطق الجبلية التي شهدت إما كوارث طبيعية كالزلازل أو مظاهرات اجتماعية. غير أن هذه «الربورتاجات» لا تتحدث عما إذا كانت هناك تنفيذ لمشاريع التنمية المؤجلة والتي تسير سير السلحفاة، على حد تعبير أحد المدونين. ولكنها مخصصة فقط لإبراز إقبال السياح عليها خلال فصل الشتاء الحالي.
سواء تعلق الأمر بقرية «أيت بوكماز» الواقعة في قلب جبال الأطلس الكبير، والتي شهدت العام المنصرم مسيرة شعبية احتجاجًا على تردّي الخدمات الاجتماعية والبنيات التحتية فيها من صحة وتعليم وطرق وجسور وشبكة اتصالات…
أو تعلق بقرى في إقليم «الحوز» أو ضواحي إقليم «تارودانت» في الجنوب، حيث شهدت المنطقة زلزالا عنيفا ما زالت تداعياته النفسية والاجتماعية والبنيوية متواصلة إلى اليوم…
في الحالات جميعها، فإن القاسم المشترك هو رغبة المسؤولين في التركيز على الجاذبية السياحية للمناطق نفسها، دون الجواب عن السؤال الأهم: هل تحققت انتظارات السكان في الإنصاف والعدالة المجالية، حتى لا يبقى البعض يردد المقولة الاستعمارية القديمة: «المغرب النافع والمغرب غير النافع»؟ والمقصود بها، المناطق ذات المردودية الاقتصادية العالية والكتلة الانتخابية الوفيرة، في مقابل المناطق المصنفة غير ذات جدوى.
والشيء بالشيء يذكر، هل يظل المغاربة ينتظرون حتى تقع الكوارث لا قدر الله، حتى يلتفت الإعلام الرسمي، ويلتفت المسؤولون إلى بعض المدن والمناطق المهمشة كقرى الحوز وأيت بوكماز وآسفي والقصر الكبير وسيدي قاسم وغيرها؟

التطبيع عبر التلفزيون

هل يمر التطبيع مع «إسرائيل» عبر التلفزيون؟ سؤال تبادر إلى الذهن حين شاهدنا بعض البرامج الوثائقية المغربية التي بُثّت في الآونة الأخيرة، مُسلّطة الضوء على مدن أو قرى مغربية بعينها، خاصة تلك الواقعة في المناطق الأمازيغية، حيث أصرّ معدو تلك البرامج على إدراج المكون اليهودي فيها، بالقول إن تلك المدن والقرى كان يقطنها يهود، وإن معالم ذلك ما زالت قائمة إلى الآن.
مهلاً، لا جدال في أن المكوّن العبري جزء من مكونات المغرب، مثلما أقرّ ذلك مؤرخون وباحثون، وأقرّ به الواقع السكاني والتراثي والمعماري، وأيضا دستور المملكة. كما أنه لا يجب الخلط بين اليهودية كديانة والصهيونية كإيديولوجيا سياسية استعمارية.
ولكن ما يسكت عنه أصحاب البرامج نفسها هو السؤال المشروع: أين هم أولئك السكان الآن؟ الجواب أن معظمهم اتجه نحو ما صُوّر لهم على أنه «أرض الميعاد»، وقلة قليلة هاجرت نحو أوربا أو أمريكا.
ولو كانت تربطهم رابطة قوية بأرضهم المغربية لما انساقوا نحو وهم وسراب، بل ولما صار الكثير منهم جزءا من كيان يصادر أراضي الفلسطينيين ويحاربونهم. والذين لا يفعلون ذلك، هم جزء من «جنود الاحتياط».
واللافت للانتباه في البرامج الوثائقية موضوع الحديث، سعيُ أصحابها إلى الربط القسري بين السكان الأمازيغ والوجود اليهودي الذي صار مجرد قصص وذكريات. (مع استثناءات قليلة لمن فضّل من المغاربة اليهود البقاء في وطنهم الأم وظلوا ملتصقين به، ومندمجين مع باقي المواطنين).
لا يتعلق الأمر هنا بترسيخ فكرة التعايش التي لا يتجادل فيها أحد، إذ إن الانتماء إلى الوطن وإلى الإنسانية ككل لا يتصل بالمعطى الديني، وإنما العنصر الفيصل فيه هو الإيمان بالقيم المشتركة القائمة على السلم والاحترام المتبادل والاحتكام إلى القوانين الوطنية والمواثيق الدولية.
بيد أن الهدف الخفي من البرامج المذكورة، هو التعايش مع «التطبيع» الذي يدافع عنها نشطاء أمازيغيون بوجوه مكشوفة. وهم بذلك، يلتقون مع التوجه الرسمي الماضي المتمثل في تكريس العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية مع الاحتلال الصهيوني. فلا عجب أن نجد ذلك الاهتمام الإعلامي مع زيارات يقوم بها إسرائيليون إلى مدن مغربية بعينها، خلال مناسبات خاصة بهم، ويحيون طقوسهم المعروفة. فيجعلون ذلك مدخلا لاختراق مشاعر واقتناعات الشعب المغربي الذي يقف بجانب الحق الفلسطيني.
ولا حاجة للتذكير بأن مغاربة يهودا كانوا على الدوام أصواتا حرة ضد المشروع الصهيوني التوسعي، وعُرفوا بوقوفهم المبدئي بجانب فلسطين، من ضمنهم: الباحث أبراهام السرفاتي والكاتب إدمون عمران المالح والمفكر المناضل شمعون ليفي والناشط الحقوقي سيدون أسيدون… كلهم رحلوا، وبقيت مواقفهم شاهدة على سِيَرٍ جمعت بين الضمير الإنساني والشجاعة الأخلاقية والوفاء للمغرب.

٭ كاتب من المغرب



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد