خلائط الصهيونية المعاصرة
أبعد، كثيراً، من حدود التأويل أو التحليل أو الاتهام، ومع انتفاء الحاجة إلى بحث عن قرائن وحشد براهين؛ بات الاقتران بالعنصرية السافرة، والفاشية الصريحة غير المبطنة، واليمين المتطرف ذي الأهواء النازية المعلَنة، بمثابة خلائط تكوينية للمراحل الأحدث في الصهيونية المعاصرة، كما يمثلها مجموع ائتلاف بنيامين نتنياهو الحاكم، وليس فقط “الغلاة” في صفوفه أمثال إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموترش.
وإذا كان الحياء الكاذب، و”صناعة الهولوكوست” التي تديم ترويج بضاعة الضحية الوحيدة الفريدة، وبعض “منطق” شقاء الشخصية اليهودية القياسية أو المتخيَّلة أو المقحَمة على الأذهان في الثقافة الغربية العمومية، وسوى هذا وذاك من عناصر تشكيل الفضاء الاخلاقي/ السياسي؛ قد حالت، في عقود تأسيس سالفة، دون إدراج مثل هذه الخلائط في بنى التفكير والتبشير والسلوك الصهيونية، فإنّ الحاضر يعلن طيّ أنساق الحرج تلك. هي الحال اليوم في دولة الاحتلال الإسرائيلي على أصعدة حكومية ومؤسساتية مختلفة المستويات والوظائف، من الجيش والأجهزة الأمنية والوزارات إلى الأحزاب والمنظمات والروابط والجمعيات…
وهكذا، يكفي أن يستعرض المرء أسماء الشخصيات المشاركة في مؤتمر دولي بعنوان “حقيقة جيل”، نظمته في القدس المحتلة مؤخراً الوزارة الإسرائيلية التي تزعم الاختصاص في شؤون الشتات ومكافحة العداء للسامية؛ حتى تتجسد تلك الخلائط، جهاراً نهاراً وصباح مساء: جوردان بارديلا، رئيس حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف في فرنسا؛ ميلوارد دوديك، زعيم صرب البوسنة الذي يشترك مع نتنياهو في أنه مطلوب للقضاء؛ هيرمان تيرتش، ممثل حزب “فوكس” الإسباني، اليميني المتطرف والشعبوي؛ جيمي أكيسون، زعيم حزب “الديمقراطيين” السويدي ذي التوجهات النيو ـ نازية؛ هوراسيو كارتيس، رئيس باراغواي السابق المدان أيضاً بتهم الفساد وظلّ معاقباً في أمريكا حتى عفا عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ وكينغا غال، عن حزب “الاتحاد المدني” الهنغاري شريك فكتور أوربان في السلطة…
الغالبية الساحقة لهذه الأحزاب، إذا لم تكن جميعها، تشترك في عدد من الخطوط الإيديولوجية التي يتوجب أن تسير على نقيض الفكر الصهيوني، أو مقدماته وأصوله على الأقل؛ لجهة التماهي مع الفلسفات الفاشية والنازية والعنصرية وكراهية الآخر والتفوّق العرقي الأبيض و/ أو المسيحي، وبالتالي النفور من الشخصية اليهودية اعتماداً على نظريات مؤامرة سائدة بصدد الهيمنة على مقدرات الكون المالية والمصرفية والإعلامية. المثال الأوضح، كي يتفادى المرء الإغراق في شروحات موسعة، هو الفرنسي بارديلا الذي يأتي ممثلاً لحزب كان زعيمه التاريخي، جان ـ ماري لوبين، قد أدين مراراً في المحاكم الفرنسية، على أقوال تستهين بالهولوكوست وتعتبر المحرقة محض “تفصيل” في التاريخ. صحيح، بالطبع، أنّ زعيمة الحزب الحالية وابنة المؤسس، مارين لوبين، قد سعت إلى تجميل وجه الحزب القبيح في هذا الجانب، إلا أنّ السواد الأعظم في قاعدة التنظيم الشعبية تظلّ وفية لتراث التأسيس وأمينة على ركائز العقيدة.
وكي لا يحار، في تفسير هذه الازدواجية الصهيونية، امرؤ نيو ـ ليبرالي مثلاً، أو “عقلاني أصولي”، أو “واقعي متزمت”، وثمة كتّاب ومعلقون عرب من هذه الصنوف أيضاً؛ تسهل الإحالة إلى خطبة نتنياهو أمام المؤتمر، أو مداخلة الوزير الإسرائيلي المنظِّم عميحاي شيكلي، كي تُفهم بسهولة طبيعة المراهنة خلف انفتاح الصهيونية المعاصرة على التيارات الفاشية والعنصرية واليمينية المتطرفة: أنها، باختصار لا تأتأة فيه، أهون شروراً من “الإسلاموية الراديكالية”، هذه التي تتضامن مع الحقوق الفلسطينية، وتتعاطف مع حركة “حماس” خصوصاً، وتبغض دولة الاحتلال، وتحشد المظاهرات ضدها في شوارع أوروبا والولايات المتحدة، وتنظّم الاعتصامات في صفوف الطلاب والأجيال الشابة على امتداد أعرق الجامعات الغربية…
“الخطر الحقيقي على الجاليات اليهودية في أوروبا هو الإسلام الراديكالي”، يعلن شيكلي، ويضيف أنّ هدف المؤتمر كان “تشكيل معسكر عريض من أجل مناهضة مشتركة لعداءٍ للسامية سامّ يصدر من الداخل. ذلك لا يعني القول إننا نستطيع تجاهل اليسار المتطرف أو اليمين المتطرف، ولكن هذا هو شكل العداء للسامية الأكثر سمّية الذي نواجهه”. في قراءة أخرى، وما دام أيّ “يسار متطرف” غير مدعوّ إلى المؤتمر وغير مشارك في مداولاته حتى عن بُعد، فإنّ اليمين المتطرف هو الحاضر والمتصدر والشريك؛ وهذا ما فشل شيكلي في تمويهه، أو الأحرى الافتراض بأنه لم يكترث بالتعمية عليه أصلاً!
أكثر من هذا، كان وزير الاختصاص بمكافحة العداء للسامية قد صنّف الآخرين، ممّن كانوا خارج تيارات المؤتمر الفاشية والعنصرية واليمينية المتطرفة؛ هكذا: إنهم “يعتمدون لغة حقوق الإنسان بينما هم في الممارسة يعملون على الطعن في شرعية إسرائيل، واستبعاد اليهود من الفضاء العام، ويسبغون الشرعية على أشكال المقاطعة”. ولقد تناسى، عامداً بالطبع إذ كيف له أن ينسى، غائبين من عيار يهودي أو صهيوني “ثقيل”، أمثال جوناثان غرينبلات، رئيس “رابطة مكافحة التشهير” الأمريكية؛ وإفرايم ميلافيس، كبير الحاخامات في بريطانيا؛ وأرييل موزيكانت، رئيس “المؤتمر اليهودي الأوروبي”؛ فضلاً عن “الفيلسوف” الفرنسي برنار ـ هنري ليفي، المعروف بدفاعه الشرس والأعمى عن سياسات دولة الاحتلال.
هؤلاء أعاقهم عن الحضور حرج تبرير اللقاء مع أمثال بارديلا وتيرتش وأكيسون وكارتيس وغال، أمام رأي عام في بلدانهم لا تنطلي عليه بسهولة ذرائع محاربة العداء للسامية عن طريق الفرسان أنفسهم الذين غذّوا أو يواصلون تغذية أسباب العداء؛ أو قدّروا أنّ التناقض صارخ وأشدّ افتضاحاً بين معارك سبق أن خاضوها مع هؤلاء، دفاعاً عن الصهيونية ودولة الاحتلال، وبين مؤتمر في القدس المحتلة يضعهم كتفاً إلى كتف مع خصوم الأمس؛ أو اعتبروا، كما فعل موزيكانت مثلاً، أنّ دعوة كبار ممثلي اليمين الأوروبي المتطرف بمثابة “طعنة في ظهر” جاليات الشتات اليهودية. تعددت الاعتبارات، ولكنّ الاعتذار عن الحضور كان في كلّ حالة أقرب إلى درء ردود الأفعال المعاكسة والرافضة والتفضيحية، منه إلى انتقاد الخيار أو ملامة صانعيه.
ذلك، أيضاً، لأنّ تاريخ الحركة الصهيونية ليس خالياً من حالات تعاون قصوى، وإنْ ضمنية أو مستورة أو التفافية، مع مؤسسات نازية أمنية أو عسكرية رسمية، وليس مجرد أحزاب أو قوى سياسية؛ لأغراض كانت تخدم ستراتيجيات العمل الصهيونية، حتى على حساب اليهود أنفسهم، في ألمانيا ذاتها. تكفي، هنا، عودة سريعة إلى كتاب الإسرائيلي يوسيف غرودزنسكي “في ظلّ الهولوكوست: الصراع بين اليهود والصهاينة في أعقاب الحرب العالمية الثانية”، بالإنكليزية سنة 2004، بعد طبعة سابقة بالعبرية؛ حول مشاركة عدد من كبار الصهاينة في تسهيل الهولوكوست، خلال أربعينيات القرن العشرين. كذلك يسهب الكتاب في استعراض الطرائق الصهيونية التي كفلت تحويل فاجعة إنسانية إلى صناعة دعائية، حتى حين اقتضت الحاجة الانخراط في تواطؤ مباشر مع كبار ضبّاط الرايخ الثالث، خاصة أولئك المسؤولين عن اقتراح وتنفيذ ما عُرف باسم “الحلّ النهائي” لإبادة اليهود.
فاشية أبا أخيمئير (1898 ـ 1962) أحد كبار الصهاينة، والعضو المؤسس للحزب “التنقيحي” الذي أسّسه زئيف جابوتنسكي سنة 1925؛ كانت أبعد من هوس وإيمان، إذ اجتهد طويلاً لإقامة تناظر بين موسوليني وجابوتنسكي، فأطلق على الأخير لقب “إل دوتشي يهودا والسامرة”. كذلك ساجل بأنّ صعود أدولف هتلر يسدي سلسلة خدمات للحركة الصهيونية، على رأسها… تقديم دليل جديد على استحالة اندماج اليهود في مجتمعاتهم المضيفة، ووجوب تهجيرهم إلى فلسطين استطراداً.
الحال، إذن، أقرب إلى نبيذ عتيق في دنان جديدة؛ أياً كانت طرائق تدوير، أو إعادة تدوير، الخلائط.
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
حضر «المخزن» وغابت الحكومة في القصر الكبير
بين حل الدولتين والدولة الديمقراطية
فلسفة تعليم القرآن من حفظ النصوص إلى فهم المعنى
الفيصلي يتفوق على الوحدات في الدوري الممتاز لكرة السلة
دراسة تكشف تأثير الملح على الدماغ
الأمطار تعيد الحياة للأراضي والسدود … موسم مطري استثنائي في الأردن
الولاء الأعلى: كيف تحدى عبيدات صمت الدولة من قلبها؟
مزرعة الحرية .. الفصل الحادي عشر
نابونيد البابلي في الطفيلة: عبق التاريخ وذاكرة المكان
ســــنــــة الــتــمـــر و ثــــمار البطــــالــــة
شهيد متأثر بجروحه إثر قصف الاحتلال الإسرائيلي خيمة في خان يونس
تسهيلات جديدة لذوي الإعاقة … إعفاء سياراتهم من الضريبة الخاصة
أبل تواجه تحديًا كبيرًا يهدد هيمنة آيفون
فضيحة إبستين تتوسع: رجال أعمال نافذون في مراسلات وصور مقلقة
هل هناك محرض على الجريمة .. أسرة شعراوي تكشف المستور
حبس ابنة حسني مبارك المزعومة .. قضيتها تهز المواقع
مدارس الملك عبدالله الثاني للتميّز رؤية ملكية تُثمر أجيالًا مبدعة في مختلف محافظات المملكة
نتائج الفرز الأولي لوظيفة مدير عام مؤسسة التدريب المهني .. رابط
إقرار معدِّل لقانون المحكمة الدستورية
مهم من الحكومة بشأن قضايا العنف الأسري
الأردن ومصر: جبهة واحدة في وجه التهجير وصون السيادة
مدعوون لإجراء الإمتحان التنافسي في وزارتي الداخلية والثقافة
تهديدات ترامب لإيران… حين تتكلم السياسة بلغة الذهب
قرار حكومي بشأن أراضي المواطنين المقام عليها مخيمات
ثلاث جامعات… والبقية خارج التغطية الأكاديمية
