بين حل الدولتين والدولة الديمقراطية

بين حل الدولتين والدولة الديمقراطية

06-02-2026 12:41 AM

أتابع في هذا المقال الأفكار التي طرحها عدد من المثقفين والمفكرين والسياسيين حول الأزمة التي تمر بها القضية الفلسطينية، والمأزق الوجودي، إثر نتائج حرب الإبادة التي شنتها قلعة الدول الاستعمارية في المنطقة العربية. ولا يكاد يلتقي مجموعة من الفلسطينيين في أي مكان في هذا العالم، سواء كان لقاء وجاهيا أو افتراضيا، إلا وانساقوا في أحاديثهم حول كيفية الخروج من المأزق، وما هو الطريق الأسهل الذي يمكن أن يلتف حوله أكبر عدد من الفلسطينيين، خاصة من بين النخب وأصحاب الرؤي والتجارب النضالية؟
تحدثت في المقال السابق عن رأيين أساسيين طرحا بقوة على هامش منتدى فلسطين الرابع بالدوحة، رأي يقول إن الهدف الاستراتيجي الحالي يجب أن يتجه نحو حل الدولة الواحدة بين النهر والبحر، والنضال يجب أن يتجه للمساواة في الحقوق والواجبات. وقد بيّنت خطل هذا الرأي، لأنه يتناسى أساسا أن هذا الكيان هو كيان استيطاني إحلالي تفريغي، يقوم على نفي الآخر، كما ناقشت الفكرة الأخرى التي طرحها بعض المفكرين، وهي تركيز النضال في محاربة نظام الأبرثهايد، باعتباره نظاما مرفوضا عالميا ويمكن هزيمته، إذا ما تمت تعبئة الجماهير عالميا، وهو أمر ممكن في ظل التأييد العظيم الذي ظهر في حرب الإبادة عالميا. لكن اختصار هذا الكيان فقط بكونه نظام فصل عنصري لا يعطي وصفا دقيقا لكيان استعماري استيطاني، ذي منظومة متكاملة من أدوات القهر والعنف والاحتلال والعدوان على كل دول المنطقة. فمحاربة هذا الجانب العنصري، على أهميته، لا يشمل المنظومة الاستعمارية الفاشية كلها. كما أننا قارنا بين نظام الأبرثهايد في جنوب افريقيا مع نظام الأبرثهايد في القلعة الاستيطانية ووجدنا أن الفروقات كبيرة جدا وانتصار الشعب في جنوب افريقيا على نظام الفصل العنصري هناك، لا يمكن استنساخه في فلسطين المحتلة. إنكار وجوده ومعاملة من هم تحت سيطرته كأفراد من الدرجة الثانية أو الثالثة ليس لهم حقوق. وسأتابع في هذا المقال مناقشة ما يطرح من أفكار ومبادرات وحلول وأفكار بعد أن وجد الشعب الفلسطيني أن الأوضاع، بعد حرب الإبادة في غزة، تغيرت كثيرا، ليس بسبب الحرب نفسها، بل ما جاء بعد الحرب من مشاريع وخطط وقرارات، كلها تشير إلى مصالح الكيان الصهيوني بغطاءات عربية ودولية.
إن فكرة حل الدولتين سبقت كثيرا اتفاقيات أوسلو، بل إن جذورها تعود لقرار السلطة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية التراجع عن برنامج التحرير، وتبني فكرة إقامة سلطة وطنية على أي شبر من أرض فلسطين عام 1974، عندما اعتقد النظام المصري، أن موازين القوى اختلت لصالح العرب، بحيث يمكن أن يتم إجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي التي احتلتها عام 1967. وبدأت القيادة الفلسطينية تتعامل مع مشاريع التسوية العديدة، إلى أن تبنت حل الدولتين رسميا في جلسات متعاقبة للمجلس الوطني الفلسطيني، خاصة في الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني في الجزائر عام 1988، الذي أطلق على بيان المخرجات «وثيقة الاستقلال». في عام 1993 تم توقيع «إعلان المبادئ» المعروف باسم اتفاقيات أوسلو، الذي تضمن كل ما يريده العدو، بينما دحرجت المطالب الفلسطينية الأربعة الأهم (الحدود والقدس وحق العوة والاستيطان) إلى مفاوضات الوضع النهائي والتي كان يجب أن تكتمل عام 1999.
تبنى مجلس الأمن الدولي القرار 1515 عام 2003، الذي نص على حل الدولتين، وأنشئت اللجنة الرباعية المكونة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، الملحق بالذيل الأمريكي، والاتحاد الروسي، اللاهث وراء رضى السيد الأمريكي، والأمم المتحدة التي دخلت مرحلة القطب الواحد بعد انتهاء الحرب الباردة. إن دور اللجنة الرباعية أشبه بدور المستوطنات على الأرض. تلك تصادر الأرض لتمنع قيام دولة فلسطينية، والرباعية تصادر الزمن لتزرع الوهم بان الدولة الفلسطينية قادمة. حديث عالٍ عن الدولة لدرجة أن وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس تحدثت عن قيامها عام 2005 والرئيس أوباما حددها بعام 2009 والفيتو الأمريكي أطاح بها عدة مرات. لكن ظل الحديث عن «حل الدولتين» مستمرا حتى هذه الساعة. الكيان يخلق الحقائق على الأرض، ومنع قيام دولة فلسطينية أصبحت سياسة ثابتة لدى الكيان الصهيوني. وقد صوت عليها الكنيست الإسرائيلي بتاريخ 17 يوليو 2024 بغالبية 68 صوتا مقابل رفض تسعة أعضاء فقط وتغيب الباقين.
لقد استخدم حل الدولتين قارب نجاة لكل من يريد أن يريح ضميره من أي مسؤولية حول محاربة الاحتلال ونظام الأبرثهايد وحروب الإبادة والمجازر من أي تبعة عملية. 158 دولة يؤيدون حل الدولتين دون أي متابعة قانونية أو عملياتية أو اقتصادية. فأمام مجازر غزة عقد مؤتمر دولي في مقر الأمم المتحدة لإنقاذ حل الدولتين بترتيب سعودي فرنسي. وقد تناوب الخطباء على المنصة يعلنون تأييدهم لحل الدولتين «فلسطين وإسرائيل» تعيشان جنبا إلى جنب وتكون القدس عاصمة مشتركة للدولتين. لكن الحقيقة أن إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة مترابطة تجمع الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقة وقطاع غزة أصبح من المستحيلات «على الأرض» إلا بتفكيك المستوطنات وطرد المستوطنين الذين اقترب عددهم من المليون. إن كل ما يقال دوليا عن حل الدولتين هو من نوع تعميم الوهم. المشكلة التي يعاني منها بعض النخب أنهم ما زالوا يعتقدون بأن العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني قادر على تحقيق هذه الدولة. ونبرة التفاؤل في خطاب العديد من المسؤولين الفلسطينيين في المحافل الدولية يؤكد هذا الوهم. وأود أن أوجه سؤالا للذين رقصوا فرحا لاعتراف بعض الدول الأوروبية وكندا بالدولة الفلسطينية، كيف ترجم هذا الاعتراف على الأرض؟ هل عطّل أو أبطا الاستيطان؟ هل خفف من اعتداءات المستوطنين؟ هل توقفت اقتحامات المسجد الأقصى؟
إن حل الدولة الديمقراطية على كل أرض فلسطين كما جاء في الميثاق القومي لمنظمة التحرير الفلسطينية لعام 1964 ثم في الميثاق الوطني لعام 1968، كما تبنته حركة فتح عام 1965 ولحقت بها فصائل العمل الفلسطيني كافة، هو الحل المثالي للنزاع بحيث تكون هناك دولة واحدة لكل الفلسطينيين، من مسلمين ومسيحيين ويهود وأرمن وأكراد وأقليات أخرى خالية تماما من الصهيونية والتفوق العرقي والاحتلال والظلم والقهر والاستيطان الاستعماري. دولة لكل أبنائها يتمتعون بالحقوق والواجبات نفسها. دولة تستقبل كل أبنائها الذين طردوا منها سواء عام 1948-1949 أو عام 1967 أو في الأعوام اللاحقة. دولة تنفذ حق اللاجئ في العودة إلى أرضه وبيته وبياراته وليموناته، التي زرعها قبل الرحيل لأنه حق لا يموت بالتقادم. دولة تحتكم إلى القانون وتصوغ نظام حكمها الديمقراطي ليستوعب الجميع وتمارس سيادتها الكاملة على كل شبر في أراضيها. دولة تصون كرامة كل مواطنيها وترتقي بحقوق المرأة وذوي الاحتياجات الخاصة وتجرّم التمييز. تعيش حالة سلام مع نفسها ومع جيرانها وإقليمها والعالم. هذا هو الحل العادل والذي ما زال العديد من أبناء الجيل الذي عايش مراحل النكبة يؤمن به. والسؤال المهم والذي يخطر على بال كل إنسان: هل تحقيق هذه الدولة الدولة الديمقراطية ممكن الآن في ظل اختلال موازين القوى وبعد طوفان غزة، ومجلس ترامب للسلم، والتطبيع العربي، وانهيار مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية؟ الجواب الصحيح هو: غير ممكن. لكن إذا لم يكن الاستسلام هو الخيار الوحيد المطروح فلنفكر معا في البدائل بعيدا عن الحلول الوهمية والتغافل عمدا أو جهلا عن طبيعة هذا الكيان الذي وصفة المستشار الألماني في اجتماع مجموع السبعة في كندا: «إنه يقوم بالأعمال القذرة نيابة عنا جميعا». وسنعود لمناقشة البدائل.

كاتب من فلسطين



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد