نجيب محفوظ: المشروع السردي

نجيب محفوظ: المشروع السردي

04-02-2026 09:56 AM

لا أحد يجادل في الموقع الذي يحتله نجيب محفوظ في الرواية العربية خاصة، والسرد العربي الحديث عامة. لقد نقل الرواية من موقع ثانوي في الأدب العربي بعد الشعر الذي ظل مهيمناً حتى أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، إلى موقع الصدارة حتى صارت الرواية الديوانَ العربي الجديد. ما كان لنجيب محفوظ أن يحتل هذا المحل الرائد لولا توفر تجربته على عدة مقومات يتميز بها محفوظ عن كثير من معاصريه. لقد بنى محفوظ تجربته من خلال تواصله الجاد مع الجيل السابق عليه، ومع مجايليه، ومع من جاء بعده من الروائيين الذين حاولوا تجاوز تجربته، فكان بذلك تركيبا مبدعا للتجربة السردية، التي عرفتها الرواية العربية في القرن العشرين.
يبرز هذا التميز الذي تحقق مع محفوظ، في أنه صاحب مشروع سردي. وهذا هو ديدن المبدع الحقيقي. إن مثله مثل العالم أو المفكر الأصيل، الذي ينطلق من إطار تصوري. إنه يستند إلى تصور إبداعي ويحاول التقدم فيه بصبر وأناة، مراكما مرة، متوقفا أخرى، متأملا تطور تجربته، وصلاتها بغيرها، وبالعالم الذي يحيط به. وهو في مسيرته السردية، يعمل جاهدا على بلورة رؤية سردية للثالوث الذي يتشكل منه الإبداع، وهو ينطلق من تمثل للتاريخ، واتصال مباشر مع الواقع وإدراك خاص للخيال، حيث يحصل التواشج والتقاطع والتفاعل بينها جميعا فتتشكل في ضوء ذلك تلك الرؤية السردية عند المبدع. ولا يمكن الانتهاء إلى تلك الرؤية السردية إلا انطلاقا من مشروع سردي واضح الملامح في ذهن الروائي منذ البداية.
لا يتأتى امتلاك تلك الرؤية، إلا إذا كانت عند الروائي خلفية محددة ينطلق منها في تصوره للأشياء والناس. ويمكن اختزال خلفية محفوظ من خلال بعدين: فكري وإعلامي. لقد أتاح له تكوينه الفلسفي، واطلاعه على النظريات والأفكار التي كانت رائجة في زمانه الزاهر، سواء تعلقت بالتراث العربي، أو الغربي أن يتخذ له موقفا مختلفا عن كثير من معاصريه من الأدباء والكتاب. أما البعد الإعلامي فقد جعله على صلة وطيدة باليومي، وما كانت تمور به الساحة السياسية والثقافية في مصر وكل الوطن العربي، وهو يحاول الجواب عن سؤال الوجود الذي استفاق عليه بعد زلزال ورجة مدافع بونابارت. كان الفكرُ الأداةَ والتصورَ، والخبرُ المادةَ والطريقةَ موجهه لتكوين رؤيته السردية وهي تتجسد من خلال أبعادها التاريخية والواقعية والخيالية.
عرفنا محفوظ قبل نوبل، وأعطته الجائزة قيمة أخرى. درسناه متأولين، محاولين ربطه بزمانه وتقييده به. فإذا بعوالمه تمثلات للواقع، وتعبيرات عن تحولاته. لكن الغائب الأكبر في فهمنا لتجربته، يكمن في تغييب جماليته السردية. كنت قد فكرت في بداية الثمانينيات في بحث «الراوي» في تجربة محفوظ، وعدلت عن ذلك بعد أن اخترت البدء بالراوي في السيرة الشعبية. وأرى الآن أن إعادة قراءته من جديد يمكن أن يتركز في المستقبل على محورين، وقد اكتملت تجربته بوفاته. يتلخص هذان المحوران اللذان لا يمكن تطوير الدراسة السردية العربية لتحتل موقعها عالميا إلا بهما، هما: النوع والتاريخ. إنهما معا يتصلان بأي تجربة أي كاتب، أو عصر. أما الانطلاق من النصوص مهما كانت خصوصيتها، أو المنهج الذي نوظف، فلن يمكننا ذلك من فهم التجربة في شموليتها، ووضعها في نطاق تطور الإبداع السردي المحلي، أو العربي، أو العالمي. ومن دون الانطلاق من نظرية للأنواع السردية المغيبة عندنا، ومن تاريخ للأشكال في ثقافتنا، سنظل نتعامل مع الرواية العربية تعامل النقد العربي القديم مع الشعر، حيث لم يكن يتعدى شرح البيت أو البيتين، أو الوقوف على حلية بلاغية، أو أسلوب حكيم.
لقد مكن المشروع السردي نجيب محفوظ من تحقيق تراكم روائي وذخيرة سردية هائلة. إن غزارة الإنتاج المتحول والمتطور أبدا، بقدر ما يدل على احتراف الكتابة التي اختزل من خلالها حياته، يعني مواكبة مستدامة للتغيرات المحيطة به. فلم يتخذ موقفا سلبيا من شباب السبعينيات، بل إنه انخرط معهم في التجريب، ودخل عوالم لم تعرفها تجربته حتى الخمسينيات. لا شك أن رؤيته السردية جعلته يتصور نفسه «مؤرخ» زمانه، على غرار ما فعل بلزاك، وغيره من كلاسيكي القرن التاسع عشر. وجد في تاريخ مصر الفرعونية الحضارة العريقة، والنص المكتوب، والآثار الشامخة والحية، فابتدأ بها. ثم انصرف عنها ليجد في الواقع اليومي وفي العجائبي، ما يجعله أكثر اتصالا بعالم متغير، فإذا بتجربته السردية في تحولها التاريخي تجسيد لتطور وعيه الفني والجمالي والفكري.
أما على صعيد الأنواع الروائية، فقد اشتغل بالرواية القصيرة، والمتوسطة، والطويلة. كتب الرواية الواقعية والنفسية والرمزية وذات الحبكة البوليسية والرحلية والتأملية. قدم شخصيات من عوالم متعددة، فتعددت مواده الحكائية، وتنوعت الموضوعات، التي اهتم بها في مختلف تجلياتها وأبعادها. وظف مختلف التقنيات السردية، ونوّع رواته، وأصواتهم السردية. كما أنه تميز بأسلوبه السردي في تنوعه ولغته، التي لها خصوصيتها في السرد والعرض.
إن مميزات الكتابة السردية عند محفوظ أعطته مكانة خاصة في السرد العربي. ولعل تجربته الإعلامية، وكتابة القصة القصيرة، والسيناريو، واشتغاله مع الفنانين والسينمائيين، يمثل جزءا من تجربة مبنية على التفاعل مع العالم والواقع، من منظور ورؤية خاصة، تبين لنا بالملموس أن الكاتب ذا المشروع السردي يستفيد من غيره، ولا يحاكيه. ما كان لنجيب محفوظ أن يكون الروائي الأبرز حضورا وتأثيرا في القرن العشرين، لولا استفادته من الروائيين الذين سبقوه عربيا وعالميا، ولولا مجاراته معاصريه ومن جاء بعده بطريقة إبداعية تنحو نحو التميز والمغايرة.
إعادة قراءة محفوظ قراءات جديدة تتجاوز الدراسات السائدة ليست فقط تجديدا لرؤيتنا لخصوصية تجربة رائدة، ولكنها أيضا تجديد لوعينا السردي ودراساتنا النقدية. أعطني نصا جيدا، وكاتبا حقيقيا أعطك قارئا جيدا.

كاتب مغربي



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد