البرج المقلوب: كيف نعيش الفلسفة
لا تنطلقُ الفلسفةُ من مجردِ حُزَمٍ من الجمل التي تعنى بالتركيبات الأيديولوجية والسيميولوجية للكون، وتفصلُ الفلسفات في خاناتِها الازدواجية التي تشتركُ مع بعضِها بعضا في عددٍ من النقاط، بل تغوصُ في كل دبيبٍ حسي أو روحي يتمنطقُ به الوجود، حتى تغدو لسانَ المعلم الموجه، لتنظيمِ محورِ التجاذب الفيزيائي والحسي والنفسي للكائنات.
ووفق قانون السببية أو الغائية بنوعيها، المباشر وغير المباشر، الاعتلال الأبقراطي ينشأ في الإنسان جراء دوافع سامة، وكذلك تؤدي التناقضات الوجودية والأسئلة التكهنية التي يصعبُ إيجاد الأجوبة عنها إلى العلة النفسية التي تحفرُ عميقاً في طبقات النفسِ المتألمة، لتولد فلسفة متذبذبة، تزودُ أنفاسَها بجرعاتِ الهواءِ التحليلي، الذي يرسمُ مدارسَ الفلسفةِ بطروحاتِها ومبادئِها، لكي تثبطَ التساؤلاتِ الجمة وفتنةَ المغزى من وجودِ هذه المعضلاتِ التاريخية، التي لم يتسن للفلاسفةِ تفكيكها حتى هذه اللحظة. وإذا كان الاعتباطُ الوجداني غير قابلٍ للتأويلِ في جميعِ الحالات، فإن الفلسفةَ تحاولُ الولوجَ إلى الزاويةِ المغلقةِ المنزويةِ من تركيباتِ النفس البشرية، فهي لا تؤمنُ بالصدفِ غير السببية إلا كتقاطعٍ سببي، أو كمفهومٍ مادي في بعضِ الأحيان، وتضعُ الميزان بشكلٍ مقلوبٍ لتبريرِ ما يعجزُ العقلُ أحياناً عن تجزيئِه وتنسيقِ شكلياتِه، ومن هنا تنطلقُ تجربةُ كه يلان محمد في كتابِه «البرج المقلوب آراء عن الوجه العملي للفلسفة»، الصادر من منشورات «جدل» الكويت. فهو يعرجُ على شتى المدارسِ الفلسفية «عملياً» «نظرياً»، بأسلوبٍ فريدٍ في النقدِ والتوغلِ «التجسسي» على عالمِ الفلاسفةِ المتربعين على عرشِ التأسيسِ الديناميكي لحركةِ الفلسفة، فيتوقفُ عند أركانِ المدرسةِ الرواقيةِ، التي تشيرُ إلى قدرةِ التحكمِ الجبارةِ بالانفعالات، وكذلك إلى المدرسةِ الوجوديةِ بفروعها المتعددة، التي تولدُ طاقة البحث والمغامرة والتأملِ في غياهبِ السردِ الرابطِ بين الموت والحياة، فتنغلُ في العدم مُستفيدة من الظاهراتية، وهي تُعنى بفورةِ التكوين والتلاشي.
أوديسة السعادة
يتناولُ محمد في تحديثِه لفكرةِ «السعادة» الفيلسوفَ أبيقور، الذي صاغَ من اللذَةِ ترياقاً لكل البديهياتِ الحياتية، ولكنه يفككُ من مظاهرِها الاحتفاليةِ التي تؤدي إلى علاقةٍ ملتبسةٍ مع الفلسفة، لأن الأسئلةَ الكبرى لم تعد موضعَ ترحيبٍ وتصويب، فتتشكلُ فورةُ الهوة التي تفصلُ بين الارتياحِ التفلسفي والاستهلاك المادي، الذي يفوضُ زمامَ أمره لفعلِ الإيحاء بتفضيلِ عالمِ المادةِ على الوعي والإدراك، وهذا الانفصالُ أو الذوبانُ الظاهرُ يؤدي إلى خلقِ عالمٍ من الفوضى، ليتم سقوطُ المثلِ، التي أمّ إليها فلاسفةُ القرون الماضية وعلى رأسِهم سقراط. لا تُقاسُ السعادةُ في نظرِ الكاتب كتهويمٍ رجعي لكل متطلباتِ النفس، بل كانحرافٍ عن المزاوجةِ التعليلية التي تربطُها بالفلسفة. فالسعادةُ قد يصيبُها القلقُ أيضاً، وقد تقترنُ بالتلفِ القدري، فتتخفف من الانسدادِ الإدراكي بحاجتِها الدائمةِ إلى الفلسفةِ الشافيةِ لكل قوةٍ معدومة، ولعقوقِ العقولِ الجامحةِ للمال. فالعلمُ حسب رأيِه يجيبُ عن «كيف» والفلسفةُ تعيدُ طرحَ «لماذا»، وهذه الظلالُ التي تجمعُ بين السؤالين تمتد إلى لغةِ التشكيلاتِ والإشكالياتِ القائمةِ في هذا العصر، أما العقلُ فهو الذي يصهرُ المصطلحين في صورةٍ واحدةٍ ثابتة، إذ في السعي وراء التملك المادي فلسفةٌ أيضاً، ذاكراً «أن كل ما ألفه آلان باديو ولوك فيري وآلان دو بوتون يتطرق إلى الاهتمامات الإنسان ومظاهر الحياة المُعقدة من منطلق أطروحات فلسفية». وقد «تحولَ العالمُ إلى سوقٍ كبير» انطلاقاً مما قالَه ريجيس دوبريه. وهذا ما يُصيبُ السعادةَ الداخليةَ والطمأنينةَ الذاتيةَ في داخلِ الفردِ بمقتل، ويجعلُه ينفخُ في بوقِ التشتتِ والضياع.
ورغم أن نيتشه قالَ عن الفيلسوف بأنه طبيبُ الحضارة، فقد رجحَ البعضُ موت الفلسفة، وهو تعبيرٌ عن سوءِ فهمٍ لوظيفتِها. وهذه المراوغةُ بين فهمِ الفلسفةِ والتقليلِ من شأنِها تصيرُ انهماكاً وانهاكاً في الضروبِ التجريبية نفسها، فيتخذُ العقلُ شكلَ التموضعِ بين ما المادي الذي يُثري اليد، والروحي الذي يُغني التجربة. وبريقُ الفلسفةِ في نظرِ صاحب «كهف القارئ» يخبو وهجُه عندما ترتطمُ بهوامشِ القلقِ الحياتي البسيط الذي يخل بتعمقِها الجارف، فهي قد تجعلُ من المفكرِ معزولاً ومنكباً على التأمل، ينأى عن أدوارِ السلطةِ والتسلط، ليصبحَ نفايةً اجتماعيةً فاضلة، لأن رغباتِه المكبوتة قد جعلت من أفكارِه خطاباً لا يقبلُ الوصايةَ ولا التجزئة، مما يخلقُ «استقلاليةَ التفكير».
شبح المأسسة
أما في المؤسساتِ الأكاديمية، فيتربصُ الخطرُ الجاثمُ من خوفِ اختزالِ الفلسفةِ إلى لغةٍ مغلقة، ففي تصويرِ المُطلقِ في عالمِ العقلِ قال سيفيرو ساردوي: «حين ترغبُ بمعرفةِ الحقيقةِ كما رغبتَ في الهواء، حينئذٍ سوف تُدركُ جوهرَها». فهي تختزلُ الشؤونَ الماورائيةَ الخلفيةَ وتدفعها إلى الواجهةِ، مشيرةً إليها بالبنان، ومفصلةً إياها في تفسيرٍ شامل، متعددِ النظرياتِ، ومختلفٍ في النبرات، ولكنه يرقدُ دائماً في خانةِ المعرفةِ والإدراكِ اللاشعوري، الذي يدفعُ الوعيَ إلى إعادةِ تشكيلِ نفسِه وجوهرِه الضمني. إن الفلسفةَ في نظرِ الكاتبِ منذورةٌ للضوءِ والمعرفةِ والتجاربِ الإنسانية، ولا تولدُ في ردهة القاعات المكتظةِ، ولا في الاحتكاكِ المُمل المُشتهى بين الناس، بل هي فعلٌ يقرظُ النفسَ قبل أن يمتدحَها، كي لا تنجرفَ في مزياتِ ذائبةٍ من القشورِ الوهمية، والمتلعثمة.
وقد تجرأ الخطابُ الديني مراراً على قوقعةِ الفلسفةِ في موقعِ التجاهلِ بلا جدوى، لأن الفلسفةَ قد بلغت من الصرامةِ بأن تحتفظَ بكيانِها وبكل ما تتفردُ به لتقاومَ أي اندلاعٍ من الأفكارِ المتطرفة، ولا تُبقي من إخفاقِ هذه المحاولاتِ الهامشية سوى الأثر البسيط، كي يكونَ أسئلةً فلسفيةً أخرى، عن كيفيةِ تفكيرِ هذه العقولِ المُستهزئةِ بأصولِ الفلسفة بشكلٍ عام، والتأكيد على ثباتِ «النعم» النيتشوية».
تعودُ الفلسفةُ إلى المنظارِ في كتابِ كه يلان محمد بصفةِ يقظةٍ أخلاقية وعقلية واعية بحججِ الفلاسفةِ المتباينة، لتجلو ما أسبغَه عليها التطورُ الفوضوي من صفاتِ ظلامية، ليعارضَ ما تعثرَ في فهمِها، ويؤكدَ قيمتَها الإنسانية التي تضعُ الإنسانَ في مواجهةِ أسئلتِه المؤجلة.
الدراية المعرفية
إن الوعيُ صوتٌ يطرقُ الأذهانَ بأسبابٍ موجبةٍ لفهمِه والتوليفِ معه، وهو يقظةُ الضميرِ والمنطق، وانعكاسٌ للعواملِ الخارجيةِ والداخليةِ، التي تحملُ المآربَ والأهدافَ الاحتمالية والثابتةَ، أو حتى العابرة، لتسلكَ النفسُ طريقَ الانعطافات الوعرة في التجسدِ الانفعالي للمشاعر، وتحليلِها بطمأنينةٍ دون ورع، فالحزنُ مثلاً يمكنُ أن يكونَ في بعضِ الحالاتِ ملاذاً لا موضعَ ذل أو قهر، وهنا تجهرُ الفلسفةُ بتحليلٍ وجودي قد يحيلُ الكآبةَ إلى مصيرٍ مرضِ لصاحبِه، كما قالَ الفيلسوفُ سورن كيركغورد «حزني هو قلعتي». ففي هذا عبرَ كيركغورد، كما قصدَ كه يلان محمد بأن الفلسفةَ حين تُنقلُ من مجالِ التأملِ إلى مجالِ الممارسة، يجبُ أن تصلَ إلى النتيجةِ نفسها، التي توصلت إليها في الحالتين، على الرغمِ بأنها ـ حسب قولِ الأول- «لا تعبرُ عن نفسِها بالطريقة» نفسها.
وفي كتابِ «البرجِ المقلوب» ترميزٌ منقب يرسمُ خريطةَ الفلسفةِ على أنواعِها لتبسيطِها وإصلاحِ الصورِ المعطوبةِ في المجتمعاتِ الماديةِ التي تبني هيبتَها على الاستهلاك والنمو، للتبشيرِ برؤيا خاليةٍ من الأوهام، فكل ما حولنا فلسفة، حتى النكاتِ التي يطلقُها بعضُ العابرين، أو التهكم المبطن من أحدِهم، كل هذه التصورات الظاهرة تصب في خانةِ الفلسفةِ الإنسانية التي بناها الإنسانُ منذ بدءِ الخليقةِ عندما خُيلَ له أن اللهَ يربضُ في سر النار، ثم تخيله في الهواء الذي يتنشقه، ثم في الشمسِ التي تظهرُ له كل صبيحةٍ ليستأنسَ ويتدفأ بها، حتى أدركَ أن كل تلك العناصر هي مواد تخدمُ فيزيائيةَ الفلسفة وتحدياتِها التي واجهها عبر مرورِ الزمن.
كاتبة لبنانية
أطباء بلا حدود تحذر من "تداعيات كارثية" لوقف نشاطاتها في غزة
استشهاد الأسير المحرر خالد الصيفي بعد أسبوع من الإفراج عنه بوضع صحي حرج
البرج المقلوب: كيف نعيش الفلسفة
رئيس الوزراء الأسبق أحمد عبيدات في ذمة الله
الأمم المتحدة: الأردن دولة سخية وكريمة باستقبالها ملايين اللاجئين
الرياضية السعودية: كريم بنزيما يوقع لنادي الهلال
إصابات خلال هجوم للمستوطنين على جنوب الخليل
فتح معبر رفح يمنح جرحى غزة أملاً بالعلاج وسط انهيار المنظومة الصحية
وزير البيئة: عطاء جمع النفايات من صلاحيات أمانة عمّان
كم سيبلغ سعر الذهب في نهاية العام الحالي .. أرقام
الكرك : العثور على عظام بشرية في مغارة .. تفاصيل
فضيحة إبستين تتوسع: رجال أعمال نافذون في مراسلات وصور مقلقة
دوائر حكومية تدعو مئات الأردنيين للامتحان التنافسي .. أسماء
تطبيقات التعري بالذكاء الاصطناعي تلاحق أبل وغوغل
مدعوون لإجراء الإمتحان التنافسي في الحكومة .. التفاصيل
محاولة سرقة جريئة بقهوة في عمان تنتهي بالفشل .. فيديو
دعاء اليوم السابع عشر من رمضان 1447
دعاء اليوم الخامس عشر من رمضان 1447
دعاء اليوم السادس عشر من رمضان 1447
مياه الشرب بالمناطق الساحلية قد ترفع ضغط الدم في صمت
هيئة الإعلام: قرابة ألف صانع محتوى في الأردن
شبهات صادمة تكشفها التحقيقات الأولية في مقتل الفنانة هدى شعراوي .. فيديو
مدير مكافحة المخدرات: لا تصنيع للمخدرات في الأردن
4 أنماط شخصية لمستخدمي ChatGPT
هيئة الإعلام: مشروع تنظيم الإعلام الرقمي لا يمس الحريات الشخصية
