تمجيد «قسد» .. تأثيم «حماس»: ثنائية الإفك

تمجيد «قسد»  ..  تأثيم «حماس»: ثنائية الإفك

01-02-2026 11:41 PM

على امتداد حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزّة، كانت عناوين مقالاتها تسير هكذا: «الاعتداء الإسلاموي على إسرائيل جريمة بحقّ الإنسانية جمعاء»، أو «جهاد إسرائيل يظلّ جهادي، وجيش الدفاع الإسرائيلي جنود روحي»، أو «العالم المسلم يقول: على حماس أن تلاقي نهايتها»، أو «أورشليم ملكية اليهود: هذه حقيقة إسلامية»….
أهذه كتابات امرأة إسرائيلية؟ يهودية أمريكية أو نمساوية أو أوكرانية، تحمل الجنسية الإسرائيلية أيضاً؟ ناشطة في واحدة من المنظمات الصهيونية المساندة لدولة الاحتلال، هنا وهناك في أوروبا والولايات المتحدة؟ كلا، هي الإجابة على جميع الأسئلة السالفة؛ بل هي كانتا أحمد، البريطانية ــ الأمريكية من أصول باكستانية، سليلة أسرة مهاجرة مسلمة، وأب وأمّ «مؤمنَين بالديانة الإسلامية» كما تصفهما، دأبا على تحفيظها القرآن حتى شبت عن الطوق واختطت لنفسها خيارات مختلفة، كما تسرد أيضاً.
صحيح، بالطبع، أنّ أحمد ليست حالة منفردة بين «بنات الإسلام»، كما يقول تعبير استشراقي غربي بالغ الخبث ومفتضَح الركاكة في آن؛ وإذا لم يحضر سريعاً إلى البال نموذجُ تسليمة نسرين السويدية من أصل بنغلاديشي، فإنّ الأشهر تظل أعيان حرسي علي المواطنة الصومالية ـ الهولندية، مؤلفة «العذراء في القفص: صرخة امرأة مسلمة في سبيل العقل»، أحد أشدّ الأعمال غثاثة وتلفيقاً واختلاقاً حول الإسلام؛ وبطلة شريط ثيو فان غوغ «خضوع» الذي ظهرت فيه شبه عارية وقد خُطّت على جسدها آيات قرآنية.
لكنّ جديد الباكستانية أحمد أنها لا تطلق العنان للركاكة القصوى في امتداح دولة الاحتلال عموماً وجرائم حرب الإبادة خصوصاً، فحسب؛ بل في أنها أيضاً، وعلى سبيل «تكنيك» أداء الوظيفة هذه، لا تملك سوى خلط الحابل بالنابل، كيفما اتفقت لها النقائض. النموذج الأحدث لهذا الخيار البهلواني مقالة نشرتها بالإنكليزية في موقع Times of Israel، بعنوان «عار على الولايات المتحدة: التخلي عن كرد سوريا يعرّض المنطقة بأسرها للخطر»؛ تساجل فيها بأنّ «أمريكا كما يبدو قد اعتمدت عقيدة جديدة في سوريا: احتضان الإسلامويين، مغازلة تركيا، والتعريض يالأقليات المستضعفة»… نعم، هكذا دفعة واحدة.
وإذ لا يُحجب عن أحمد، أو سواها ومن حيث المبدأ البسيط، حقّ التضامن مع «قسد» تحديداً، والافتراض ضمناً بأنها تمثّل وحدها الكرد السوريين أجمعين، أو هي اختصار المسألة الكردية بأسرها في سوريا، وربما في تركيا (بسبب التبعية للـPKK وجبال قنديل)؛ بصرف النظر عن الخطل الفادح في مقاربة كهذه. فإنّ صياغة هذا التضامن من داخل انحياز، أشدّ فداحة سياسياً وأخلاقياً وعقلياً، إلى تبرئة دولة الاحتلال من حرب إبادة صريحة فاضحة ومدانة بموجب القانون الدولي؛ يكشف سوأة قميئة لدى المتضامن، ويعرّي قباحة مجانية تُلحق الأذى بالكرد والفلسطينيين على قدم المساواة.
وحين يفعلها سياسي أمريكي من طراز السناتور الجمهوري لندسي غراهام، صاحب الباع الطويل في الرقص على كلّ وأيّ حبال تخدم مآربه، في الداخل الأمريكي كما في الخارج الإسرائيلي؛ فالأمر ليس عسيراً على الفهم أو التفسير، لأنه تكرر مراراً حتى بات أقرب إلى خبر بلا معلومة. أما أن تنخرط في هذا المنحى الرثّ امرأةٌ سليلة أسرة مسلمة، آسيوية، مهاجرة… فإنّ الحصيلة لن تتوقف عند النفاق والانتهاز، بل تنقلب إلى تجنّد طوعي في سردية إفك تبدأ من تضامن زائف مع الكرد، وتمرّ بغسل أيدي الاحتلال الإسرائيلي من دماء آلاف الفلسطينيين، وتنتهي إلى الجوهري ربما: زجّ الإسلام كثقافة، والمسلمين كاجتماع بشري، في سيرورة باطلٍ كاذبة وشائنة.
ثمة تضامن محقّ، مشرّف وقد يكون واجباً، مع حقوق الكرد السياسية والمدنية والإنسانية والثقافية، التي دأبت معظم أنظمة الحكم في سوريا الحديثة على انتهاكها؛ ولكن ليس من مصلحة الكرد أن يكون في عداده ثنائية بذيئة مثل هذه: تمجيد «قسد»/ تأثيم «حماس».



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد