لن أتحدَّث… وسوف تراني وتسمعني
قد تستطيع تغيير عالمك إذا علمت ما هو الشيء الذي ترغبه بشدة. وإذا كرَّست نفسك لغايتك المأمولة، ستكون النتيجة الحتمية بلوغ وجهتك مهما كانت، علمًا بأن لحظة الوصول سيكون لها دويُّ خاص. هذا الافتراض ليس بذاك الأمر البعيد عن الواقع، والذي قد يحمي بنيته الهشَّة باختبائه تحت عباءة العبارات الإنشائية التحفيزية؛ فهناك العديد من الشخصيات التي فتحت مصراعي بوَّابات التَّاريخ، وحفرت لها مكانة بارزة في مخطوطاته. بيد أن واحدًا من أكثر تلك الشخصيَّات جدلًا هو الأديب السَّاخر والمفكِّر والفيلسوف الفرنسي فولتير Voltaire (1694-1778) الذي استطاع أن يرسم ملامح القرن الثَّامن عشر ويلوِّن أفكار الأجيال التالية له، وصولًا إلى عصرنا هذا، وما سوف يليه من عصور.
والأمر الذي صنع من فولتير اسمًا لامعًا يتخطى حدود الأزمنة والعصور، دعوته إلى إعمال العقل والعقلانية في جميع تعاملات البشر، مع وجوب تفعيل التحليل العقلاني لجميع ألوان التراث والثقافات المميَّزة للشعوب. وبالرغم مما كان يقابله من عقبات وتوالي الهجوم على شخصه وأفكاره، استطاع أن يجبر أبرز الشخصيَّات العالمية على احترام وتقدير مذهبه العقلاني في أي عصر وأي مكان. ولهذا، لم يكن غريبًا أن يُعلن ملك بروسيا فريدريك العظيم Frederick the Great أنه يشعر بالفخر والسعادة لأنه عاش في نفس العصر الذي عاش فيه فولتير، وهذا تقديرًا له ولأفكاره التقدُّمية العقلانية. وعندما توفَّي فولتير صرَّح الملك فريدريك العظيم عند نعيه لفولتير مؤكِّدًا أن شخص وأفكار فولتير قد تفوَّقت على أي فيلسوف أو مفكِّر أو أديب سبقه، بما في ذلك كبار أعلام الفلاسفة، فقال: «بالنسبة لي، سأذهب إلى العالم السفلي، وأخبر فرجيل Virgil أن فرنسيًا قد تفوق عليه في فنه. وسأقول نفس الكلام لسوفوكليس Sophocles ويوريبيدس Euripides؛ وسأتحدث إلى ثوسيديدس Thucydidesعن تاريخكم، وإلى كوينتوس كورتيوس Quintus Curtiusعن شارل الثاني عشر؛ وربما يرجمني هؤلاء الموتى الحسودون لأن رجلاً واحدًا قد جمع كل مزاياهم المختلفة في نفسه». وعلى هذا لن يذهلك ثناء نابوليون بونابرت وإعجابه به، لدرجة أنه صرَّح بأن فولتير صار كاتبه المفضَّل فور قراءته لأحد أعماله. ولم يقتصر الإعجاب والتقدير لأفكار وشخص فولتير عند هذين العلمين فقط، بل امتد لكل من قرأ ولو حتى مقطعاً صغيراً من أعماله، وهذا ينطبق على أي مفكِّر قديم أو حديث. وعلى هذا، قال المفكِّر والأديب الأرجنتيني خورخي لوي بورخيس Jorge Luis Borges: «أحد ضروب الغباء الكثيرة هي عدم الإعجاب بفولتير».
عقلانية فولتير سبب رئيس دفع أي فرد يقرأ له لأن يصير متيّمًا بأعماله ومنظومته الفكرية. لقد برع فولتير في أي لون أدبي يقدِّمه، سواء أكان شعراً أم نثراً أم رواية، بالإضافة إلى كونه مؤرِّخًا، وفيلسوفًا، وكاتبًا ساخرًا. هذا بالإضافة إلى تقديمه كتباً نقدية فلسفية موجهة إلى الأديان نفسها؛ فقد كان ينتقد عدم التسامح الديني ويساند حرِّية الأديان. وكانت المفاجأة أن أسلوبه العقلاني هذا امتد إلى تأليفه كتباً تهتم بالعلوم، وهو مجال بعيد كل البعد عن الأدب، ما يوضح نبوغه العقلي والفكري.
ولقد ظهر هذا النبوغ وهو في سن صغيرة جدًا، حيث أتقن اللاتينية في سن الخامسة، وكان هو من علَّم نفسه اللغة، ثم بعدها بدأ في تعلُّم لغات أخرى وإجادتها. وولد فولتير لأب ذي دخل قليل ويمتهن المحاماة، وأم تنتسب عائلتها للنبلاء، وإن كانت من الطرف الأدنى مرتبة للعائلة. وكان فولتير، أو كما ولد تحت اسم «فرانسوا-ماري أرويه» François-Marie Arouet أصغر أخواته الخمس، وكان والده يرغب في أن يمتهن المحاماة مثله، ولهذا أرسله إلى مدرسة راقية كي يتعلَّم بها. لكن الطفل أرويه لم يكن ذلك الذي يرضى بمن يرسم له مستقبله؛ فلقد كان راغبًا في أن يصير كاتبًاً. ولقد ظهر تمرُّده حينما غيَّر اسمه إلى «فولتير»، وكذلك حينما غادر منزل والده إلى باريس وأوهمه أنه يتدَّرب لدى محام ليجيد مهنة القانون، في حين أنه كان يكتب الشعر والمسرحيات.
ولم يكن يرضى قط في أن ينتقده أحد أو يسيء إليه، فحينما انتقده أحد أفراد سلالة النبلاء لأنه غيَّر اسمه، رد له الإهانة بقوله إنه أفضل من الذي لوَّث اسم عائلته. وبسبب ذلك، تم إيداعه سجن الباستيل المشدد، لكنه ناشد المسؤولين بأن يتم نفيه إلى انجلترا بدلًا من السجن. وفي إنجلترا، ازدهرت موهبته وتفتَّحت وكوَّن صداقات مع كبار المفكِّرين والكتَّاب مثل جوناثان سويفت Jonathan Swift وأصبح أحد أصدقاء إسحق نيوتن.
وظهر ذكاؤه الفذّ في تكوينه لثروة طائلة باستخدام الذَّكاء؛ فلقد انتهز فرصة طرح الدولة لأوراق يانصيب بأسعار زهيدة لسداد ديون حكومية، واشترى أعداداً هائلة منها، وكانت النتيجة أنه اغتنم العديد من الأوراق الرَّابحة، وأصبح يمتلك ثروة بين ليلة وضحاها، قدرها مليون جنيه.
أعجب فولتير بإنجلترا، وبالنظام السياسي البعيد عن نظام الحكم المُطلق السَّائد في فرنسا. ودفعته روحه المتمرِّدة إلى نشر كتاب ينتقد فيه الملك والنبلاء دون أن يأخذ إذن الملك، ما عرَّضه للسجن مرَّة أخرى، فهرب إلى إنجلترا أيضًا مرَّة أخرى.
كان أشد ما يحزنه هو النفاق الديني واقتراف جرائم كبرى في حقّ الإنسانية باسم الدين وسُلطة رجال الدين التي كانت حينها ذات هيمنة طاغية. ولهذا، كرَّس فولتير نفسه إلى إبراز ونقد النفاق في تطبيق أحكام الدِّين، وفصل الدين عن الدولة. وفي إطار مبدئه العقلاني، نادى إلى تنقية الأديان وكتب التاريخ والحكايات من الخُرافات التي تقوم بتشويهها ونشر مفاهيم خاطئة بين أفراد الشعب. ولقد آمن بأفكاره العديد من رافضي الخرافات، وكان هو أوَّل من رفض كتب التَّاريخ التي تقوم على هندسة سير الأحداث. ورفض تدوين حكايات البعثات الدبلوماسية.
وشارك فولتير في الحراك الاجتماعي لمساندة قضايا الرأي التي تظهر نفاق رجال الدِّين، وشارك في المظاهرات دفاعًا عن المضطَّهدين. لكن لا يعني ذلك أن فولتير كان لا يؤمن بوجود خالق للكون، بل كان يؤمن بوجوب وجود خالق، أو كما يقول: «لو لم يكن هناك إله، لكان من الضروري اختراعه».
وإيمانه بوجوب إقصاء الخُرافات من الأديان دفعه لدراسة جميع الأديان الأرضية والسَّماوية، وكان شديد الإعجاب بالديانة الكونفوشية وبشخص كونفوشيوس؛ لأنه الوحيد الذي لم يقدِّم نفسه على أنه نبي أو إله، وكذلك قدَّم كتابًا لتعاليم أخلاقية عقلانية. ودون أدنى شكّ، منهاج فولتير دفع رجال الدِّين للغضب منه والتنديد به. ومن أطرف المواقف عن فولتير، أنه عندما كان على فراش الموت وذهب له القسّ ليتلو عليه الصلوات، وحينما كان يحثُّه على الاستعاذة من الشيطان، لم يستطع فولتير التخلي عن روحه السَّاخرة والفكاهية، ورد عليه: «عفوًا، لا أريد تكوين أعداء جُدد». وموقفه العقلاني من الأديان لم يكن يعني على الإطلاق أنه لا يحترم ويقدِّر الأديان أو لديه أي تفرقة لمن يدينون بها، فلقد كان له أصدقاء ذوو ديانات مختلفة، وكرَّم جميع الأديان في رواياته بأن أظهر فردًا ذا دين مخالف له القدرة على تأطير المنهاج الفلسفي للأحداث.
القرن الثَّامن عشر الذي كان يُعرف باسم «عصر العقل» Age of Reason أصبحت تسميته المتداولة «عصر فولتير». وبالرغم من ذلك، كان دائم الشعور بأنه لم ينهل القدر الكافي من العلوم، أو كما يردد: «كلَّما قرأت، كبرت حصيلة معلوماتي، وأيقنت أنني لا أفقه شيئًا». التمرُّد وقوَّة الشخصية كانا المكوِّن السحري الذي دفع فولتير لأن يتماسك ولا يهون أمام الصعاب مهما كانت. كان يُجابه أي موقف بالابتسامة والسُّخرية، وكان ذلك بالنسبة له اختياراً وقراراً، قائلًا: «قررَّت أن أكون سعيدًا؛ لأن ذلك أفضل لحالتي الصِّحية». خالف فولتير جميع قواعد عصره، وامتدَّت تعاليمه عبر القرون المتعاقبة، وامتد تمرُّده حتى على المقولات الشائعة، ومنها: «تحدَّث حتى أراك»، لكنه منذ الصغر ليس في حاجة إلى الحديث؛ فهو كان رجل أفعال لا أقوال.
حماس: لا التزام بالاتفاق دون إلزام إسرائيل بوقف جرائمها
خبراء يقترحون إعفاء المغتربين من تأشيرة دخول مدينة عمرة
بزشكيان: الحرب ليست في صالح إيران أو الولايات المتحدة أو المنطقة
وزير الشباب: استاد عمرة يشكل نواة المدينة ومحورها الرئيس
سمر نصار: مشروع عمرة يتيح ممارسة الرياضة بشكل منظم ويستقطب البطولات
خبراء يؤكدون أهمية التركيز على الجانبين التعليمي والثقافي في مشروع مدينة عمرة
تفاصيل رؤية الخبراء حول مستقبل مدينة عمرة
وزير البيئة: مدينة عمرة أول مدينة ذكية مستدامة ونوعية الحياة فيها عالية
وزير المياه: مخططات مدينة عمرة وفرت احتياجات المشروع من المياه
الصين وحالة الطوارئ العالمية… والداخلية
في رواية «ريفزالت»… تاريخ ممزق بين ضفتين
لن أتحدَّث… وسوف تراني وتسمعني
وزير الطاقة: مشروع مدينة عمرة يراعي الأمن الطاقي ويوفر الطاقة المستدامة
قصة البطريق الذي غادر القطيع وأشعل الترند
وفاة المحامية زينة المجالي إثر تعرضها للطعن
الموافقة على مذكرة تفاهم بين الأردن وتركيا وسوريا
بلدية الرصيفة تفتح أبواب التوظيف للشباب من 18 إلى 45 عاماً .. تفاصيل
أخطاء شائعة عند شحن سيارتك الكهربائية .. تعرف عليها
دوائر حكومية تدعو مئات الأردنيين للامتحان التنافسي .. أسماء
توقعات بمزيد من ارتفاع أسعار الذهب
المحامية زينة المجالي كتبت تدوينة قبل رحيلها المأساوي
هيئة الإعلام: قرابة ألف صانع محتوى في الأردن
هيئة الإعلام: مشروع تنظيم الإعلام الرقمي لا يمس الحريات الشخصية
محاولة سرقة جريئة بقهوة في عمان تنتهي بالفشل .. فيديو
مدير مكافحة المخدرات: لا تصنيع للمخدرات في الأردن

