كيف تصير نجم رمضان في الجزائر

كيف تصير نجم رمضان في الجزائر

03-02-2026 12:25 AM

مع اقتراب شهر رمضان، بدأت معركة التصريحات والتصرحيات المضادّة في الجزائر. خرجت واحدة من الممثلات المعروفات تشتكي من التّهميش، مع أنها واحدة من أسماء الصفّ الأوّل، في السنين الماضية. قضت أكثر من عشرين سنة بين التّلفزيون والسينما، بل سبق لها أن لعبت دور البطولة في أكثر من دراما وسلسلة فكاهية، ثم فجأة وجدت نفسها في عطالة اضطرارية، تهجو المنتجين والمخرجين، بأن لا أحد منهم اتّصل بها هذا العام، بل تقول إنها عرضت خدماتها في بعض الإنتاجات من غير أن تعثر على آذان مصغية. للوهلة الأولى، قد نقدّر الأمر إلى اكتظاظ الساحة في الجزائر بالممثلين، ومن المحتمل أن مؤهلات هذه الممثلة لا تتطابق مع إنتاجات هذا الموسم، لكن الأمر ليس كذلك؛ لأنها واصلت الكلام وفي شرح ما تتعرّض له عندما أفصحت أن شركات الإنتاج باتت تفضّل نجوم «السوشيال ميديا»، أولئك الشبّان الذين لم يتخرّجوا في معهد الفنون ولم يتدرّجوا في ركح المسرح، بل خرجوا من شاشات الموبايل، يملكون حسابات في «تيك توك» أو «أنستغرام» بمئات الآلاف من المتابعين، بينما هذه الممثلة لا تملك حسابًا وبالتّالي لا متابعين افتراضيين.
تشتكي من أنّ شاشات الجزائريين في رمضان لا يجتمع فيها ممثلون، بل تتنافس فيها وجوه أخرى شهاداتهم الوحيدة أنّهم يحظون بمتابعة في مواقع التّواصل. ويبدو أن هذه الممثلة لم تتقبّل ما طرأ في عالم الفضائيات، فقد تخرّجت في معهد الفنون، كما أنّها شاركت في إنتاجات في الجزائر وخارجها، ورغم كلّ الحظوة التي حازت عليها فيما سبق، باتت شخصًا غير مرغوب فيه في الزّمن الحالي. إن حالتها تعبّر عن التّحول الكبير الذي تعرفه التّلفزيونات في الجزائر في السنين الأخيرة، وبالفعل فقد صار المنتجون يتنافسون في استقطاب المؤثّرين على «السوشيال ميديا»، يستميلونهم من أجل ضمّهم إلى مسلسلات، والغاية ليست التّرويج لهذا النّجم المعروف على المنصات، بل الاستفادة من الجمهور الذي يتابعه؛ لأن المنتج يفكرّ بمنطق تجاري، فعندما يعثر على شاب له شهرة ويحظى بمتابعة ما لا يقل عن نصف مليون شخص، فإنه يعتقد -بالضّرورة- أن أولئك المتابعين سوف يتحوّلون إلى مشاهدين للمسلسل، فيرفع من أرقام المشاهدة، مع أنها معادلة ليست واقعية بالضّرورة بحكم أن من يتابع نجمًا على «تيك توك» مثلًا، لا يستهويه بالضرورة أن يتابع نشاطات النّجم عينه خارج الموبايل. لذلك، تجد إنتاجات رمضان، في الجزائر، نفسها رهينة لعبة سوق غير سوية، بينما المنتج يبتغي كسب مشاهدين بأي طريقة، يصير الممثل المخضرم خارج اللعبة، وينوب عنه شاب لا يعرف الوقوف أمام الكاميرا ولا يعرف مخارج الحروف، لكنه سوف يصير واحدًا من نجوم موسم رمضان. وقد تعددت الأمثلة في هذا المجال في السنين الماضية، وصار المشاهدون يكتشفون كلّ عام نجومًا جدداً في رمضان، يجدون أنفسهم إزاء أسماء لم يسمعوا عنها، في مقابلة شباب يتلعثمون أمام الكاميرا، لكنّهم يحوزون في موبايلاتهم سوقاً من المشاهدين.
صار المشاهد مرغمًا على متابعة مسلسلات لا تتطابق مع صورته ومع حياته، لأن المنتج ومن ورائه المخرج لا يهمهما إرضاء الجمهور (كما كان عليه الحال فيما مضى)، بل يهمّهما أن كسب لعبة الأرقام والتغلّب على المسلسلات الأخرى في نسب المتابعة، لا في نسب الإبداع.

تعال مع المال

قبل أيام اتّصل بي صديق، وهو ممثّل مسرحي وتلفزيوني، يخبرني أن مسلسلًا دراميًا شارك فيه، لكنه لم يعرض في الشاشات المحليّة. والسبب أن المنتج تقدّم بالعمل إلى واحدة من القنوات الفضائية يعرض عليها المشروع، وقبل الخوض في المحتوى الفنّي وأهمية المسلسل، سألوه: «هل هناك شركة من شأنها أن تموّل المشروع؟»، والقصد هل هناك شركة بوسعها أن تعرّض إعلانات وبالتّالي تدفع مالًا للقناة التي تعرض العمل. وبما أن المنتج اتّكل على جيبه في تصوير العمل، فلا شركة من ورائه. كما تدور أحاديث بين أوساط بعض المنتجين أن الشركات الرّاعية تفرض حضور اسم ممثل دون غيره، بل إن البعض منها من يفرض حضور واحد من مؤثري «السوشيال ميديا»، بحكم أن هذا المؤثر متعاقد مع الشركة نفسها في إعلانات. هكذا إذن باتت السوق محكومة بلغة المنصات وليس بلغة الفنّ والإبداع. وأنا أتصفح جديد هذا العام، صادفت ما لا يقل عن عشرين ومضة إشهارية تتعلّق بمسلسلات جديدة سوف تعرض في رمضان 2026.
إنه رقم مأهول، لا سيما أننا في الجزائر قد انتقلنا في وقت وجيز من إنتاج سمعي بصري، يحتكره التّلفزيون العمومي، ولا تتجاوز فيه مسلسلات رمضان عتبة المسلسلين، إلى طوفان مسلسلات قد يتجاوز عتبة العشرين عملًا في الموسم الواحد. إن كمية الإنتاجات لا تعني بالضّرورة جودة، ففي العام الماضي سادت حالة من عدم الرضا إزاء الأعمال التي عرضت في رمضان، لكن المنتجين يصرّون على مواصلة عملهم، وليس كل المنتجين بل المحظوظون منهم، الذين لديهم شركة راعية، ومن يتعاقدون مع نجوم المنصات، من أجل إسناد أدوار رئيسية لهم. في ظلّ هذا المشهد المرتبك، نتفهم صرخة الممثلة التي تحدّثنا عنها في البداية، فقد قضت حياتها بين معهد للفنّ وكذلك في تدرّب في المسرح، ثم في المشاركة في أعمال في السينما والتّلفزيون، ونسيت نقطة لا تقلّ أهمية: نسيت أن تدشن حساباً لها في منصات التواصل، ونسيت أن ترفع من أعداد متابعيها، ولأنّها تماطلت فقد جعلت نفسها خارج حسابات هذا الموسم؛ لأن نجم رمضان في الجزائر صار معروفًا قبل أن يحلّ الشّهر الفضيل، إن النجم هو من يكسب متابعين، ومن يكثر من الرّقص والضجيج في أنستغرام، من يغطس في بركة سباحة في تيك توك، من يصوّر نفــسه في لحظة أكل أو نوم، من يلتقط صورًا مع نجوم الكرة أو مع رجال أعـــــمال. هؤلاء هم النجوم الجدد، وهكذا يترنح سوق الدّراما في رمضان.

كاتب جزائري



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد