نحو خطة تعافي مبكر لإعادة المسيرة التعليمية في غزة

نحو خطة تعافي مبكر لإعادة المسيرة التعليمية في غزة

01-02-2026 11:31 PM

لم تكن الحرب على غزة بدافع الرد على ما حدث في السابع من أكتوبر فقط لكنها كانت ومازالت حرب انتقامية تخفي في طياتها اهداف استراتيجية إسرائيلية للنيل من كل شيء في غزة، الانسان أولا بالقتل والابادة والحصار ,وثانيا مصادرة ما يملك من حقوق تمكنه من حياة طبيعية كالحق في المسكن والحق في التعليم والحق في تلقي العلاج والرعاية الاجتماعية والحق في الحماية من الحروب والإرهاب المنظم وبالتالي ليس له أي حق في الحماية المدنية التي اقرتها القوانين الدولية . أصيب قطاع التعليم بغزة في مقتل خلال هذه الحرب لم يبقي الاحتلال أي مدارس في القطاع سليمة حيث تضرر اكثر من 90% من المدارس حسب تقارير منظمة "اليونسف" وتقول التقارير الرسمية ان إسرائيل دمرت 204 مؤسسة تعليمية تدميراً كليا منها 190مدرسة و 14 جامعة وتضرر 305 مؤسسة أخرى منها 293 مدرسة و12 جامعة ، لم يقف الحد عند هذا المستوي , فقد دمرت إسرائيل العديد من المراكز الثقافية والتعليمية والمتاحف والمكتبات الخاصة والعامة التي كانت تقدم خدمات التعليم المساند للألاف من الطلاب وحرمت الكثيرين من البحث العلمي بعد إحراقها عنوة المكتبات الجامعية التي كانت غنية بعشرات الالاف من المراجع والدوريات والمجلات العلمية والتربوية.

تعطلت الدراسة بكافة مستوياتها خلال الحرب ولم يكن هناك اي شكل لتعليم وجاهي او حتى تعليم الالكتروني خلال العام الأول وبعد فترة استطاعت وزارة التربية وبعض المدارس تفعيل التعليم الالكتروني لكن للأسف لم يلتحق بهذا النوع من التعليم الكثير بسبب عدم حصول الكثيرين من أبناء شعبنا في مناطق النزوح على خدمات الانترنت او لم يكونوا يملكوا حتي الأجهزة المطلوبة لمباشرة هذا النوع من التعليم وبالتالي فان أجيال بكاملها حرمت من التعليم وتواجه منذ بدء الحرب حتي الان خطر الجهل والتسرب المدرسي واصبح هذا الخطر اليوم يداهم الجنسين الذكور قبل الاناث لكن الملاحظ ان الذكور ما تزال نسبة التحاقهم بالتعليم عند خط الخطر لان هناك نقص حاد في المؤسسات التعليمية التي تقدم خدمات التعليم في المرحلتين العليا والثانوية وقد يكون الذكور انشغلوا في توفير ما يلزم العائلة النازحة من إيواء ومياه وطعام, اما المرحلة الأساسية فان عدد المؤسسات التي تقدم مثل هذا النوع من التعلم قليلة لكنها غير كافية وغير مؤهلة لاستيعاب اعداد كبيرة فهي ليست اكثر من نقاط تعلمية أقيمت على شكل خيام في مناطق النزوح المختلفة بجهود شعبية او مؤسساتية . "منظمة اليونسف" تقول في تقرير لها ان 60% من الأطفال الفلسطينيين في غزة في سن الدراسة لا يحصلون على تعليم وجاهي ولا يذهبون للمدارس وان برامج العودة للمدارس تعمل من خلال توفير مراكز تعلمية لتستوعب 336 ألف طفل فقط وأضاف التقرير ان هناك نقص حاد في المواد التعلمية والقرطاسية والأدوات الترفيهية التي أصبحت تلك المراكز في أمس الحاجة اليها لتنفيذ أنشطة تحفيف الضغط النفسي عن الأطفال وإزالة أثر الصدمات الناتجة عن الحرب.

كافة البرامج التعلمية والمؤسسات التعليمة الخاصة والتابعة للحكومة او الاونروا تعتمد على خطة علاجية لتعويض الفاقد في التحصيل وهي اقرب الي خطة إنقاذيه وليس خطة تعافي مبكر لمحاولة انقاذ ما يمكن إنقاذه وتعويض فئات التعليم الأساسي عن الفترة الماضية لكن الواضح ان هذه البرامج الان تنفذ تحت ضغط كبير فالحرب لم تنتهي بعد ولا يوجد مؤسسات مؤهلة او مدارس كافية يمكن اعادتها للخدمة لان العديد من المدارس المتضررة ويمكن إعادة تشغيلها باتت تستخدم كمراكز إيواء للسكان في غزة دون وجود خطة مقابلة لتفريغ هذه المدرس من النازحين واستيعابهم في مخيمات بديلة وبالتالي إعادة تأهيل هذه المدارس باي عدد من الفصول الدراسية لبدء تعليم وجاهي وعودة الطلاب اليها . الحقيقة ان المسيرة التعلمية في قطاع غزة مصابة إصابات بليغة بسبب الحرب سواء في المباني التي يمكن ان تستخدم كمدارس او في المصادر المطلوبة لبدء عملية تعلمية سليمة وناجحة او حتى في الكادر التربوي القادر على تقديم التعليم للأطفال وخاصة وهم يعانون اثار الصدمة ويعانوا تداعيات الحرب الوحشية التي دمرت مستقبلهم. ان الحاجة لخطة تعافي مبكر للمسيرة التعلمية اليوم أصبحت ماسة واولوية حتى عن إعادة الاعمار وإيجاد إيواء مناسب للملايين من سكان القطاع وخاصة بعد ان أعلن عن وقف لأطلاق النار في غزة على الأقل وقف حرب الإبادة وتخفيض نسبة القتل اليومي والعشوائي وبدء تولد امل لدي الناس هنا في حياة يومية بلا موت وبلا جوع على الأقل.

ان أي خطة تعافي مبكر للقطاع لابد وان تأخذ في الحسبان والأولوية خطة شاملة لقطاع التعليم المدمر لإعادة المسيرة التعليمة في القطاع الى حالة شبه طبيعية على الأقل وهذه الخطة لابد وان تأخذ في الاعتبار عشرة نقاط هامة وهى : -

- انشاء خلية خبراء تربويين وأكاديميين متخصصين تعمل من خلال وزارة التربية والتعليم ومشاركة المؤسسات والمنظمات الدولية زات العلاقة لمتابعة تنفيذ الخطة والتأكد من سلامة مسار إعادة المسيرة التعلمية التعليمية الي وضعها الطبيعي من خلال نظام تقيمي قادر على تحقيق كافة متطلبات برنامج التعافي.

- اعداد خارطة لنشر أكبر عدد ممكن من المدارس المؤقتة والنقاط التعلمية في كافة مناطق النزوح والمخيمات والمناطق البعيدة لتسهيل عملية انخراط كافة الأطفال في العملية التعليمية.

- تنفيذ حملة توعية مجتمعية عبر السوشيال ميديا والإذاعات المحلية والتلفزيون الرسمي حول اهمية انخراط جميع الأطفال والبالغين في مراحل التعلم المختلفة وتنفيذ زيارات ميدانية للأسر و التجمعات السكانية لحث أطفالهم على الالتحاق بالعملية التعلمية.

- بناء خطة تهيئة للمدارس ورياض الأطفال والجامعات على ان يتم العمل على تهيئتها كمرحلة أولية لإزالة الاخطار والذخائر غير المنفجرة وهذا يحتاج الي طواقم وشركات دولية بطواقم مدربة ولديها خبرة في هذا المجال .

- تجهيز كرفانات مناسبة ومزودة بالطاقة البديلة لإضافة فصول دراسية جديدة وإقامة مدارس جديدة بديلة عن تلك التي دمرتها الحرب.

- ادخال مقاعد الدراسة والأدوات المدرسية والقرطاسية من كتب مدرسية وسبورات وطاولات وأقلام واثاث غيرها من أدوات الترفيه المناسبة للمرحلة والعمر الزمني للأطفال.

- تدريب الطواقم التدريسية لتزويدهم بأهم الأساليب التربوية وطرائق التدريس المناسبة والتي تمكنهم من بناء خطط تعويضية وخطط تمكينية تسير بالتتالي.

- بناء نظام تقويمي سليم لتحقيق مخرجات حقيقية للتحصيل الأكاديمي يضمن سلاسة في الانتقال من مرحلة تعلمية الى اخري مع مراعاة العمر الزمني لكل مرحلة.

- وضع جدول زمني لتنفيذ خطة التعافي بحيث لا تتعدي عام واحد من تاريخ بدء الخطة كحد أقصى لإعادة المسيرة التعلمية الي وضعها الطبيعي.

- تفعيل نظام التعلم المساند والتعلم الشعبي لتحقيق دعم دراسي فاعل يسهل التعليم الوجاهي ويحقق نتائج مرضية.

ان الحالة التي يعيشها شعبنا في غزة والخطر الداهم الذي يحيق بأنائنا الطلاب بكافة مستوياتهم تفرض اليوم علينا الانتباه لمخاطر بقاء المسيرة التعلمية بحالة غير مرضية كالتي نلاحظها الان وتفرض على الجميع تحمل المسؤولية المجتمعية والوطنية للعمل مع الكل الوطني كشريك في بناء هذا المجتمع الذي يعيش الكارثة والمعاناة جراء الحرب والذي هو يتوق للتعافي من اثار هذه الحرب اللعينة لتمنح له الحياة من جديد ويبات بلا قلق على مستقبل هذه الأجيال التي دمرت الحرب كل المرتكزات وعناصر الحياة والبقاء لها وباتت في خطر محدق بمستقبلها , انها المسؤولية التاريخية حتى لا نجد مجتمعنا الغزي في النهاية مجتمع اصبح في زيل قائمة المجتمعات المتعلمة بعد ان كان في مقدمتها.

Dr.hani_analysisi@yahoo.com



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد