اختراعات إمبريالية
يكفي أن نعود إلى التاريخ الحديث، فنعرف بطلان مزاعم دولة أسمها إسرائيل، ويكفي أن نكون على حظ من العلم والفطنة، فنستدل على مقدار الوهم في النظر إلى هذه الدولة مستقلة وقوية لوحدها وبمفردها. ذلك أنها في حقيقة أمرها صنيعة الإمبريالية العالمية، وقاعدتها الاستعمارية المزروعة في قلب الوطن العربي من أجل تفتيت أواصر لحمته المشتركة، وتحويله إلى دويلات يغالب بعضها بعضا. وبذلك تتمكن القوى الإمبريالية من توطيد هيمنتها عليه، متخذة من الكيان الصهيوني أداةَ قمعٍ وردعٍ لأية قوة يمكن لها أن تهدد وجودها في هذه المنطقة الغنية بالموارد المادية والبشرية.
وهو ما يحتاج منا نحن العرب أن نكون على قدر المسؤولية، يقظين لما يلوح في حاضرنا من مشاريع استعمارية، وواعين بما يخبئه المستقبل لنا، فنعد العدة الكافية لمواجهة مثل هذه المشاريع وقبرها في مهدها. وفي مقدمة ما ينبغي التخطيط له حاضرا والتهيؤ له مستقبلا هو إشاعة الوعي بين فئات الشعب العربي المختلفة بتاريخ الصراع العربي- الصهيوني، تذكيرا بما دُبر لمنطقتنا العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين من مخططات، وما جرى تطبيقه عليها من مؤامرات، أسفرت عن احتلال فلسطين؛ بدءًا من الطريقة التي بها اخترعت الصهيونية دولة اسمها إسرائيل بينما أضحت فلسطين أرضا بلا شعب، وشعبا بلا أرض، وكيانا يبحث عن اعتراف دولي. وكل ذلك حصل في يوم واحد فقط هو 15 أيار (مايو) 1948 وفيه انتهى الانتداب البريطاني على فلسطين، وتحركت الجيوش العربية، واجتمع رجال الوكالة اليهودية في تل أبيب برئاسة بن غوريون وقرأ تصريحا أعلن فيه قيام دولة إسرائيل. وتلقَّى في اليوم نفسه اعترافا بدولته المزعومة من الدول الكبرى الثلاث: الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي وبريطانيا.
وتنقل لنا سجلات المؤرخين كيف أن الأمم المتحدة ومجلس الأمن كانا منذ ذلك اليوم المشؤوم وهما يمارسان سياسة الكيل بمكيالين. ولنضرب مثلا بما جرى للجيوش العربية التي تحركت لاسترداد الأرض المغتصبة، فوصل الجيش العراقي إلى بلدة طولكرم وجنين. وسيطر الجيش الأردني على باب الواد. وعسكرت القوات اللبنانية على الحدود المحاذية لفلسطين. واستطاع الجيش السوري احتلال مستعمرة مشمارهايردن، وزحف الجيش المصري نحو بئر السبع. وانضمت إليه سرايا من السعودية وليبيا والسودان وتمركزت في غزة وسارت باتجاه الخليل. وعلى الرغم من أن الجيوش العربية في الأيام الأولى كانت دفاعية، فإنها حققت نجاحا في دك الحصون اليهودية وإثارة الذعر في نفوس الصهاينة. فكان انهيار الكيان الصهيوني وشيكا جدا، لولا أن مجلس الأمن الدولي وفَّر – بإعلانه وقف إطلاق النار – غطاءً للإمبريالية العالمية أن تزوِّد الكيان بالطائرات والأسلحة. ولم تكن الهدنة سوى تكتيك عسكري، إذ بعد يوم واحد خرق الصهاينة الهدنة بإطلاق الصواريخ واستعمال الطائرات ضد الجيوش العربية. الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى توقيع اتفاقيات الهدنة عام 1949. ومنذ ذلك الوقت، والكيان الصهيوني يمارس دوره الإرهابي والعسكري، مهددا الجسد العربي، وضاربا عرض الحائط أية محاولة لتوحيد هذا الجسد.
إن تذكير الأجيال بألاعيب الإمبريالية العالمية في مراوغة العرب، والتوعية بالأباطيل التي بها صار الكيان الصهيوني دولة، أمر ينبغي أن نشرع به من الآن على مستوى المدارس والجامعات والمؤسسات. فنزيل كثيرا من الأوهام التي يروجها الإعلام الغربي ومعه أيضا الفكر الفلسفي. ولا يزال الكثيرون منا مقتنعين بجدوى هذا الفكر، متوهمين أن الاستعمار الاستيطاني ولّى، وحلت محله نظريات ما بعد الاستعمار التي فككت المركزية وأعلت الهوامش! مما تتناوله الدراسات الثقافية العربية اليوم والتي هي من السعة ما يجعل أي حديث عن فكر المؤامرة ونظرية المؤامرة نوعا من سيكولوجيا الوهم وخيالات الضعفاء والمهزومين وتهافت وهوس المهولين! وقس على مثل هذه القناعات التشكيك بخطابات الوحدة الإسلامية ودعوات القومية العربية التي استبدلت بمفاهيم الهوية والذات والآخر والاثنية والتهجين والحوارية والتناسخ.. الخ.
إن هذا كله يفرض علينا أن نعيد النظر في مفاهيمنا الثقافية والسياسية والاجتماعية. فما نعيشه اليوم هو استعمار عسكري لبس لبوسا ناعمة، وأدعى الحداثة وما بعد الحداثة؛ وأحلامه آخذة في التوسع على حساب أمننا واستقرارنا. وهذا كله مبني على فكر فلاسفة بعينهم، يدسّون السم بالعسل. ولعل أشنع هؤلاء هو الصهيوني برنارد لويس (1916-2018) المخترع الأول لمسمى الشرق الأوسط الجديد الذي ينص على تقسيم بلادنا العربية على وفق (تعدد الهويات) مختلقا الأكاذيب، ومنها ادعاؤه أن (الترابط بين الحرف والدين وبشكل أدق بين الكتابة والكتابة المقدسة هو النموذج المشترك في الشرق الأوسط)، (كتابه «الهويات المتعددة والشرق الأوسط»، ص16)، مفترضا أن الإبراهيمية هي الديانة الجديدة لهذا (الشرق الجديد).
ومن يتمعن في فكر هذا المنظر الاستعماري، فسيعرف أن ما يرسمه مجرد متخيلات لا أساس علميا لها، من قبيل زعمه: «إن دولة إسرائيل جمعت بمواطنية مشتركة ودين مشترك بين الحضارتين المحددتين المسيحية والإسلامية. وأنها ستطور مستقبلا علاقات ذات قرابة أكبر مع المنطقة التي أقيمت فيها. ولن يعني هذا علاقات أفضل، لا بل ويمكن أن يعني في الواقع أثرا معاكسا، بل وحتى يمكن أن يعرِّض للخطر المعيار النوعي الذي مكَّن إسرائيل من الازدهار في بيئة عدائية مسيطرة» ص60.
أما فلسطين في نظر برنارد لويس، فمجرد اسم صنعته سياسة بريطانيا التي «عملت ولأول مرة منذ العصور الوسطى الكبرى انها جعلت من فلسطين اسما لإقليم محدد وأعطته ولأول مرة في التاريخ حكومة فلسطينية وشكلت أمة فلسطينية»، ص98. بهذا التزييف الاستعماري للحقائق الديموغرافية والتاريخية والجغرافية، يدلل لويس على ما لديه من عنصرية مقيتة، وهو يخلط الأوراق ليرى أن الفلسطينيين ورثة إسرائيل القديمة، وأن اليهود لم يختفوا، بل رجعوا. ولكن أين هي مكتشفات التنقيبات الاثارية والتاريخية وما ذُكر في المدونات الأدبية؟ هذا ما لا يعيره لويس أهمية، لأن مخيلته وحدها هي التي تعمل.
إن الدجل والشر والإرهاب هو ما تربى عليه الصهاينة. وهذه سمات صارت معروفة للعالم أجمع الذي اكتشف منذ طوفان الأقصى في تشرين الأول (أكتوبر) 2023 خطر هؤلاء في ما مارسوه ويمارسونه من مذابح شنيعة وإبادات جماعية بحق أهل غزة وسائر المدن الفلسطينية. وما خطاب نتنياهو حول إسرائيل الكبرى سوى خلاصة الدجل العقائدي الذي به تكتمل سلسلة الأوهام التي حولتها الإمبريالية العالمية إلى حقائق افتراضية؛ منها مثلا أن إسرائيل دولة، وأن لها شعبا يوصف باليهودي مع أن لا مشتركات تاريخية أو لغوية أو تراثية تجمع بين هذا الشتات الذي يسمى جزافا (شعب). ومن يقرأ بروتوكولات بني صهيون وسائر كتبهم المزورة، فلن يجد سوى شرور القتل والإبادة والاستئصال والمحو ودعوات التدمير والتخريب والاغتصاب.
لقد كان سقوط الدولة العثمانية إيذانا بإحياء بروتوكولات بني صهيون. وكانت البداية مع إنشاء ما سمي بالوكالة اليهودية التي سلخت عام 1922 – بناء على معاهدة سايكس بيكو- فلسطين وطنا مزعوما للصهاينة. وها هو مخطط الشرق الأوسط الجديد يهتدي بتلك المعاهدة في اقتطاع مزيد من الأرض العربية. وإذا كان من وضع تلك المعاهدة هم مجموعة أقطاب خرجت من الحرب منتصرة، فإن من يضع هذا المخطط الجديد عبارة عن صنيعة قطب لم يخض حربا كي نعرف أنه الأوحد المنتصر. وكل ما خاضه عبارة عن مجموعة مناورات ومعارك اضطر فيها إلى قبول الهدنة. وآخرها معركته مع إيران التي دامت اثني عشر يوما كادت أن تقضي على القاعدة الاستعمارية (إسرائيل).
ويكفينا نحن العرب استلهام دروس معركة طوفان الأقصى لنعرف معنى المواجهة ولندرك خطرها؛ فمسلسل الإبادة الجماعية الذي بدأ عسكريا بإلقاء آلاف الأطنان من القنابل على المدنيين العزل ثم تحوّل بعد ذلك إلى الحصار والتجويع، لم يفتّ في عضد غزة التي قدمت صورًا للصمود، تكفي لأن يتدارس العالم – لا العرب وحدهم – نموذجها، ويقتدي بها في مواجهة الإمبريالية العالمية ووكيلتها الصهيونية المتوحشة.
*كاتبة من العراق
شروط إسرائيل لعقد صفقة مع إيران
تفكيك خلية إرهابية استهدفت مطار المزة
مهم من الحكومة بشأن قضايا العنف الأسري
أنشطة متنوعة في عدد من المحافظات
"الإستشاري والخبير" فوضى الألقاب في البرامج التلفزيونية
هل هناك محرض على الجريمة .. أسرة شعراوي تكشف المستور
تهديدات ترامب لإيران… حين تتكلم السياسة بلغة الذهب
فؤاد عبدالواحد يغني ألبومه الجديد في الرياض
15 ألف مستفيد يومياً من النقل العام المنتظم
الأردن ومصر: جبهة واحدة في وجه التهجير وصون السيادة
ليلة استثنائية لحسين الجسمي باحتفالية الإمارات والكويت إخوة للأبد
تمجيد «قسد» .. تأثيم «حماس»: ثنائية الإفك
أخطاء شائعة عند شحن سيارتك الكهربائية .. تعرف عليها
دوائر حكومية تدعو مئات الأردنيين للامتحان التنافسي .. أسماء
محاولة سرقة جريئة بقهوة في عمان تنتهي بالفشل .. فيديو
هيئة الإعلام: قرابة ألف صانع محتوى في الأردن
مدير مكافحة المخدرات: لا تصنيع للمخدرات في الأردن
دعاء اليوم السادس عشر من رمضان 1447
دعاء اليوم الخامس عشر من رمضان 1447
تطبيقات التعري بالذكاء الاصطناعي تلاحق أبل وغوغل
دعاء اليوم السابع عشر من رمضان 1447
مدعوون لإجراء الإمتحان التنافسي في الحكومة .. التفاصيل
مياه الشرب بالمناطق الساحلية قد ترفع ضغط الدم في صمت
هيئة الإعلام: مشروع تنظيم الإعلام الرقمي لا يمس الحريات الشخصية
افتتاح المعرض الفني لكلية الفنون والتصميم في الجامعة الأردنية
جامعة العلوم والتكنولوجيا تطلق ورشة تدريبية متخصصة في الخطة الاستراتيجية

