التهديم الإداري… حين تهدم المؤسسات نفسها بهدوء

التهديم الإداري… حين تهدم المؤسسات نفسها بهدوء

04-02-2026 10:11 AM

لا تنهار المؤسسات دائمًا بسبب نقص التمويل أو ضعف القوانين أو غياب الكفاءات. في كثير من الأحيان، يكون الانهيار بطيء وغير واضح، سببه ما يمكن تسميته بـالتهديم الإداري؛ ذلك السلوك المتراكم الذي يُضعف الإدارة من الداخل، ويحوّلها من أداة بناء إلى عامل استنزاف.
التهديم الإداري لا يعني بالضرورة فسادًا صريحًا أو تجاوزات قانونية، بل قد يحدث في مؤسسات منضبطة شكليًا، تلتزم بالإجراءات وتُتقن إعداد التقارير، لكنها تفشل في تحقيق الأثر الحقيقي. فالخلل في الفلسفة الإدارية، لا في اللوائح.
يبدأ التهديم حين تتحول القيادة من دورها الطبيعي في التمكين والتوجيه وتقديم التسهيلات إلى دور رقابي خانق، يخشى التفويض ويقاوم المبادرة. حينها، لا يُكافأ الإبداع، بل يُنظر إليه كتهديد، ولا تُقدّر الكفاءة، بل تُدار بحذر لتشكيل ما يسمى بالبيئة الطاردة للكفاءات. ومع الوقت، يتعلم الموظف الذكي أن الصمت أكثر أمانًا من الاقتراح، وأن الالتزام الشكلي أهم من الإنجاز الفعلي.
ومن أبرز مظاهر التهديم الإداري، تفضيل الولاء على الكفاءة. فحين تصبح معايير الاختيار والترقية غير واضحة أو غير عادلة، فيتم اسناد العمل الى غير اهله فتتآكل الثقة داخل المؤسسة. لا لأن الموظفين يطالبون بالمثالية، بل لأنهم يتوقعون حدًا أدنى من العدالة. ومع غياب هذا الحد، تبدأ الكفاءات إما بالانسحاب الفعلي أو الانسحاب الصامت، وكلاهما مكلف.
كما يظهر التهديم الإداري في تضخم الإجراءات مقابل ضمور القرار. مؤسسات تُتقن كتابة السياسات، لكنها تتردد في التطبيق. اجتماعات طويلة، محاضر دقيقة، وخطط استراتيجية أنيقة، دون ترجمة حقيقية على أرض الواقع. فيتحول العمل الإداري إلى طقس روتيني، لا أداة تغيير، ليس لأن الموظفين غير مؤهلين، بل لأن البيئة الإدارية في كثير من الأحيان لا تسمح لهم بأن يكونوا كذلك. فالتطوير يُختزل في إعادة هيكلة متكررة، دون مراجعة حقيقية للثقافة الإدارية. والمؤشرات تُستخدم للعرض لا للتحسين. والمساءلة تُمارس أحيانًا بانتقائية، فتفقد معناها.
الأخطر أن التهديم الإداري لا يُحدث صدمة مفاجئة، بل تآكلًا تدريجيًا. مؤسسة تبدو مستقرة من الخارج، لكنها تعاني وهنًا داخليًا، يظهر في بطء الإنجاز، ضعف جودة الخدمات، وتزايد مقاومة التغيير. ومع الوقت، يصبح الأداء المتواضع طبيعيًا، والطموح مزعجًا.
مواجهة التهديم الإداري لا تكون بالشعارات ولا بالحلول السريعة. فلا إعادة الهيكلة وحدها تُنقذ، ولا تغيير المسميات الوظيفية يُصلح. المواجهة تبدأ أولًا بالاعتراف بأن المشكلة إدارية قبل أن تكون تنظيمية.
نحتاج إلى قيادات ترى في الكفاءة قوة لا تهديدًا، وفي التفويض استثمارًا لا مخاطرة. نحتاج إلى أنظمة تقييم عادلة، تربط الأداء بالأثر لا بالحضور. إلى حوكمة حقيقية، لا ورقية، تجعل القرار مسؤولية لا امتيازًا. والأهم، نحتاج إلى ثقافة تسمح بالخطأ المتعلم، لا تعاقب المحاولة.
في النهاية، المؤسسات لا تُهدم فقط بسوء النية، بل أحيانًا بحسن نية غير واعٍ. والفرق بين إدارة تبني وإدارة تهدم، ليس في الموارد، بل في العقلية. فإما أن تكون الإدارة أداة تطوير أو تتحول، دون أن تشعر، إلى معول هدم.
برأيكم هل تعاني مؤسساتنا من التهديم الإداري؟.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

عطالله: الوصاية الهاشمية صمام أمان للمقدسات في القدس

أعيان: مواقف الملك تعكس التزامًا أردنيًا راسخًا بالدفاع عن القدس ومقدساتها

إيران: مفاوضات مضيق هرمز مع عُمان في مراحلها النهائية

الرئيس الإيراني: صعوبة التواصل مع المرشد مجتبى خامنئي

لجنة "4+4" الليبية تتوصل لاتفاق بشأن تعيين رئيس مفوضية الانتخابات

لجنة أوضاع اللاعبين تصدر قرارات بحق أندية المحترفين

كلّيّة علوم التّأهيل في الجامعة الأردنيّة ربعُ قرنٍ من الرّيادة يصنعُ 313 قصّةَ نجاحٍ جديدة

تفشي إيبولا في الكونغو: زيارة مدير منظمة الصحة العالمية

المغرب .. تواصل إخماد حرائق غابة صفرو بعد التهامها 120 هكتارا

اسرار تكشف لاول مرة .. لماذا انسحبت ياسمسن صبري من مسلسل الشادر

اجتماع رباعي في عمّان يبحث الأمن الإقليمي والممرات المائية

بعد انتشار فيديو مؤثر لها .. آخر تطورات قضية نور برغل

رؤية عمّان تطالب بعدم نشر صور النفايات المتراكمة دون تفاصيل

مفاجأة منة شلبي واحمد الجنايني تشعل مواقع التواصل

لماذا يهزم السرطان بعض المدخنين ويتجاوز اخرين ؟ سر يحير العلماء

بعد مقتل نور طعنا في عمّان .. عائلتها تصدر بيانا وتوضح الحقائق

النواب يقر 27 مادة .. والحكومة توضح تعديلات تملك غير الأردنيين

فيديو يهز إربد .. سائق يفر بعد الاستيلاء على 50 ديناراً وشاب يسقط أرضاً خلال مطاردته

نور برغل .. ماذا بعد عطوة الاعتراف وكيف سيحدد القضاء التهمة؟

خبر سار من الحكومة .. مدعوون لاستلام آلاف الدنانير .. أسماء

هزة أرضية تضرب مصر ويشعر بها سكان العقبة

قطعت جثة والدتها ووضعت رأسها بالثلاجة لأنها أفشلت زيجاتها

القوات المسلحة تُصدر بياناً مهماً .. تفاصيل

لديك مخالفات سير؟ تعرّف من يشمله خصم الـ30% وكيف يُحتسب المبلغ

بعد انتشار فيديو مؤثر لها .. آخر تطورات قضية نور برغل

إيران تحدد أهدافاً عربية إذا هاجمت أمريكا منشآت الطاقة

كم دقيقة يستطيع الإنسان تحمل الشمس عند 38 أو 40 درجة مئوية؟

مكافحة المخدرات تحذر: متعاطي "الكريستال" قد يتحول إلى خطر على نفسه ومحيطه

شاهد .. ضحية الكريستال: المخدر شيطان دمّر حياتي

تفسير رؤية الخنزير في المنام