الاردن .. مزامير الصخر العتيق

الاردن .. مزامير الصخر العتيق

03-02-2026 06:20 PM

على هذه الرقعة التي تبدو للناظر صحراء، وهي في باطن المعنى مكتبةُ طبقاتٍ جيولوجيةٍ للروح، لم تمشِ الإمبراطوريات فوق التراب، بل عبرت فوق نصٍّ إلهيٍّ مكتوبٍ بالصخر والريح. الأردن ليس مكانًا في الجغرافيا؛ إنه فاصلةٌ كونية بين جملة السماء وجملة الإنسان.

هنا، قبل أن تتعلّم التيجانُ ثقلها، كانت الأرض تتدرّب على الصبر. الأدوميون والمؤابيون والعمونيون لم يكونوا قبائلَ تقيم، بل جذورًا تتأمّل نفسها في مرآة الزمن. أسماؤهم ليست بقايا تاريخ، بل نبراتٌ أولى في قصيدة الوجود على هذا المرتفع الذي يشبه كتف القارّة.

ثم جاءت الإمبراطوريات الشرقية، كأفكارٍ عملاقة تبحث عن جسد: الآشوريون بجباهٍ من حديد، البابليون بعيونٍ فلكية تقيس الأبد، والفرس بخيالٍ إداريٍّ يريد أن يحوّل العالم إلى نظام. مدّوا ظلالهم، لكن الظلّ — مهما اتّسع — يظلّ تفسيرًا مؤقتًا للشمس، والأردن كان شمسَ معناه لا ظلَّ سلطانهم.

وحين انكسر الأفق بقدوم الإغريق، لم تدخل الهيلينية بوصفها جيشًا فقط، بل بوصفها سؤالًا: ما الإنسان؟ فصارت المدن تنطق بالفلسفة كما تنطق بالحجر، وتحوّلت الجبال إلى مقاعدَ لتأمّلٍ صامت. غير أن الأرض، العارفة بسرّها، كانت تُصغي ولا تنصهر؛ تتعلّم اللغة دون أن تفقد لسانها الأول.

ثم نهض الأنباط، لا كدولةٍ بل كإجابة. خرجوا من خاصرة الصحراء كأنهم انبثاقُ ماءٍ من فكرة. لم يبنوا في المكان، بل كشفوا المكان عن نفسه. البتراء لم تُنحت؛ لقد أُزيح عنها الحجاب. هناك صار الصخر جلدَ الزمن، وصارت الواجهات شواهدَ على أن الخلود ليس زمنًا طويلًا، بل أثرٌ عميق.

جاء الرومان بعد ذلك كمهندسي الخلود الأرضي، يرسمون الطرق كما تُرسم الشرايين في أطلس الجسد. الأعمدة لم تكن زينة، بل محاولاتٍ لرفع السماء قليلًا كي تتّسع المدن لنَفَسها. ثم البيزنطيون، حيث انحنى الحجر للروح، فصار الضوء لاهوتًا معماريًا، وصارت الفسيفساء صلاةً تمشي على الأرض.

ثم أقبل الإسلام، لا كتحوّلٍ سياسيٍّ فحسب، بل كإعادة تعريفٍ للزمن. صار المكان قبلةَ معنى، لا مجرد نقطة على طريق. مرّ الراشدون كنبضٍ أول، ثم الأمويون الذين حوّلوا الصحراء إلى بيانٍ حضاريّ، فالعباسيون ومن بعدهم دولٌ تتعاقب كأمواج تفسيرٍ للنصّ الكبير. في كل مرحلة، كانت الأرض تمتصّ التجربة كما تمتصّ الجذور المطر، وتحوّلها إلى هويةٍ أكثر صفاء.

ثم جاءت الحروب الصليبية، كاصطدامِ تأويلين للقداسة، فاهتزّ المكان بين سيفين يحمل كلٌّ منهما سماءه الخاصة. تلاهم الأيوبيون والمماليك، حيث صار الدفاع عن المعنى دفاعًا عن التراب ذاته. وبعدهم العثمانيون، زمنٌ طويل يشبه نهرًا بطيئًا، يغيّر شكل الضفاف دون أن يعلن ثورة الماء.

وحين دخل الانتداب البريطاني، لم يكن احتلالًا فقط، بل لحظةَ مخاضٍ مؤلم بين تاريخٍ يُغلق وتاريخٍ يتشكّل. ومن ذلك الألم وُلدت الدولة الأردنية الحديثة، لا كوريثةِ إمبراطورية، بل كوريثةِ خبرة الأرض نفسها؛ خلاصةِ كلّ ما مرّ، والمصفاةِ التي عبرت منها الحضارات لتصبح ذاكرة.

الأردن ليس سجلّ غزوات، بل مختبرُ معنى. كل إمبراطوريةٍ ظنّت أنها كتبت فصلها الأخير هنا، لكنها كانت سطرًا في هامش نصٍّ أقدم.
فالأرض لم تكن مسرحًا للأحداث —
بل كانت المؤلّف الصامت،
الذي يترك للتاريخ أن يوقّع باسمه المستعار.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد