رغم تعلمنا .. نظل نجهل

رغم تعلمنا ..  نظل نجهل

02-02-2026 08:30 PM

"كلما اتسعت دائرة معرفتنا، زاد محيط اتصالها بمجهول أوسع."
​أفق المعرفة والتعلم
​رغم كل ما نتعلمه، نظلُّ نجهلُ حقائقَ جوهريَّةً في شتَّى مجالات الحياة. وهذا الجهل ليس نقصًا في الذكاء، بل هو سمة من سمات الكون المتسع؛ فكلما اتسعت دائرة معرفتنا، زاد محيط اتصالها بمجهول أوسع.
​فنُسيءُ فهمَ الخصم والمنافس، ونخلطُ بين الأمان والسلامة، وندور في حلقةٍ من الأفكار التي لا ندرك كُنْهَها إلا حين نتعلمُها حقَّ التعلُّم. والتعلم الحق ليس حفظًا للمعلومات، بل تحويلًا للمفهوم إلى سلوك، والفكرة إلى بصيرة.
​بوصلة العيش
​في رحلتنا هذه، نحتاجُ إلى بوصلةٍ ترشدُ مسارنا، وتُحدِّدُ وجهةَ سيرنا. وهذه البوصلة ليست خارجية تُشترى، بل هي بوصلة داخلية تُصنع من التجربة والوعي، وتُضبط بمعيار الأخلاق والغاية.
​فكلُّ واحدٍ منَّا يسيرُ في دروب الحياة وهو بحاجةٍ إلى هادٍ يُريهِ الطريق، ويُنبِّهُه إلى المسالك الوعرة، وإلى المَصَادِّ المُزْرَعة في الدرب. إننا جميعًا بحاجةٍ إلى تعلُّم بعض فنون العيش.
​فلسفة الخصم والحقيقة
​ومن أعجب فنون العيش أن نعرف كيف نرى الوجه الآخر للحقيقة، الذي غالبًا ما يكون مخفيًا خلف ظاهر الأمور.
​يظنُّ البعضُ أن الخصمَ عدوٌّ، والحقيقةُ أن خصمَك هو وقودُ تحرُّكك، ودافعُ تقدُّمك.
​هو المرآة التي تريك نقاط ضعفك، والحافز الذي يدفعك لتجاوز حدودك.
​بدونه، يخبو حافزُ المضي قُدمًا، بل قد تفقدُ الحياةُ نكهةَ الكفاح من أجل الهدف.
لذا، فخصمُك ليس عدوًّا بالضرورة.
​بين السلامة والشجاعة
​وأحيانًا، يَعتقدُ البعضُ أن السلامةَ ووفرةَ الأمان هما الضَّمانةُ لبلوغ الغاية. فيظن أن السير على الطرق المعبدة هو الطريق الوحيد للوصول، فنلجأ إلى الاختباء في حصونٍ وهمية، بدعوى دفع المخاطر.
​لكن الحصون الحقيقية لا تبنيها الجدران، بل تبنيها الشجاعة. لكنَّ السلامةَ في منظور الحكمة – بل وفي عرف الخابر الواعي – هي مواجهةُ الشدائد، وتحدِّي العَقَبات، والسيرُ في الطريق المحفوف بالمكاره، لا بِتَصَوُّرٍ طائشٍ أو مجازفةٍ عشوائية، بل بشجاعةٍ واعيةٍ لا تخلُّ بقوانين السلامة الحقيقية.
​شراك العزلة ووهم القدر
​وأعظم تلك الشدائد أن تسجن نفسك في زنزانة الوحدة. وكثيرًا ما نقعُ في شراكِ العُزلة، فننكفئُ على ذواتنا، ونرفضُ المشاركةَ والتعايشَ مع الآخر. وكأننا نعتقد أن البحر يصير أقوى إذا حبس أمواجه في شاطئ واحد، نتوهمُ أننا الأقدرُ على حماية مكتسباتنا، وأنَّ الآخرَ غريمٌ لا شريك. وننسى أن اليدَ الواحدةَ لا تُصفِّق، وأن الفردَ ضعيفٌ بمفردِه، قويٌّ بمعينِه وسندِه.
​وفي غمرة هذا الوهم، نخلط بين القَدَر والخُمول. ونتوهَّمُ أنَّ النجاحَ قدرٌ محتوم، بينما هو ثمرةُ فكرةٍ حَسَنةٍ تسقِيها العزيمة، وتسيرُ في اتِّساقٍ مع سُنَّة القضاء والقدر، لا في تعارضٍ معها. فالقدر ليس قيدًا، بل هو مجال حركتنا الواسع ضمن حكمة الكون.
​مفارقة الحرية
​ونسقط في أكبر المفارقات عندما نطالب بما نحن أول من يقيده. وننشدُ الحريةَ شعارًا نرفعه وسامَ فخر، ثم نصادرُها في واقعنا، ونحاصرُ من يطلبُها بسلامٍ مزيفٍ ننسجهُ من وهمِ الشجعان.
​الخاتمة: مدرسة الحياة
​فكم من سجونٍ نبنيها بأفكارنا الضيقة، وكم من حقائقَ تغيبُ عنا ونحن نعتقدُ أننا نرى! أعظم هذه السجون:
​سجن اليقين المطلق.
​سجن رفض النمو.
​فالحياةُ مدرسةٌ لا تنتهي حصصُها، وكلُّ يومٍ فيها درسٌ جديدٌ لمن أراد أن يتعلَّم. وخاتمة التعلم هي أن تدرك أنك لم تتعلم بعد إلا شيئًا قليلاً، فتزداد تواضعًا للعلم، ورقّة للإنسان، واتساعًا للحياة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد