نحن وأمريكا… والحب من طرف واحد

نحن وأمريكا… والحب من طرف واحد

02-02-2026 10:39 AM

بادئ ذي بدء، أودّ التأكيد أنه لا توجد دولة في العالم تستطيع تجاهل الولايات المتحدة الأمريكية، حتى أكثر الأنظمة راديكالية في التاريخ والمختلفة مع أمريكا أيديولوجيًا. لذلك، عندما حدث توازن دولي محدود في العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وتم إنشاء الأمم المتحدة على أنقاض عصبة الأمم، وكان مقرّهما في الولايات المتحدة، أصبحت أمريكا الركن الأساسي وجوديًا وماديًا للأمم المتحدة، وكان وجودها هناك نتيجة توافق فرضه أمر الواقع.

لذلك، لا أحد في العالم يسعى إلى التصادم مع الولايات المتحدة، لأنها صورة أخرى عن الأمم المتحدة؛ فشعبها خليط من كل دول العالم، ولا توجد دولة أو أمة على وجه الأرض إلا وتجد لها جالية في الولايات المتحدة الأمريكية. ومع تنوّع الجاليات من مختلف الأمم، هناك جاليات فاعلة ونشطة شكّلت ما يُعرف باللوبي لمصلحة أوطانها الأم، مستفيدة من وجودها الأمريكي، وجاليات أخرى، بعضها لا يمانع أن يكون عميلًا وخنجرًا في قلب وطنه الأم.

وهنا كانت أمريكا، بالنسبة لأغلب شعوب العالم، الحلم الجميل المستمد من مبادئ ولسون المعروفة، رغم منغّصاته، خاصة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وسيطرة لوبي داخل الحزب الجمهوري الأمريكي عُرف بالمحافظين الجدد أو الصهاينة الجدد. وهذا اللوبي عبارة عن شبكة مصالح متشابكة، استمدّ قوته من الفراغ الأممي وغياب توازن دولي حقيقي، حتى مع وجود الاتحاد السوفيتي. فتغوّل هذا التيار وخلط بين مصالح الولايات المتحدة الأمريكية كدولة عظمى، وبين مصالحه الخاصة كلوبي داخل الحزب الجمهوري، مكوّن من أرباب المال والأعمال والنفط والغاز.

ولعلّ الوحيد الذي تنبّه لهذا التيار الكارثي في التاريخ الأمريكي، وحذّر من خطورته وسرعة تناميه داخل الحزب الجمهوري، كان الرئيس الأمريكي الراحل دوايت أيزنهاور، حيث ذكر ذلك بوضوح تام فيما عُرف بخطاب الوداع عام 1961م، بعد أن أمضى في البيت الأبيض ثمانية أعوام. وقال محذّرًا من أن هذا التيار سيقود أمريكا إلى المجهول، عبر الخلط بين مصالح رجاله من أرباب المال والأعمال والنفط، وبين مصالح الولايات المتحدة كأعظم دولة في العالم، تقع على عاتقها مسؤوليات الحرب والسلم عالميًا.

نعم، لقد قلنا ونقول: لا نريد تصادمًا ولا حتى خلافًا مع الولايات المتحدة إن أمكن، ولكن للأسف، الولايات المتحدة هي من أرادت التصادم، رغم كل الحب والغرام من بعض الأنظمة، لكنه كان حبًا من طرف واحد.

فقد دعمت الكيان الصهيوني، وكانت أول دولة تعترف به، وهو الذي احتل أرضنا وشرّد شعبنا. وفي حرب الأيام الستة، كانت أمريكا شريكًا أساسيًا في العدوان على أمتنا العربية، ودُمّرت المطارات والطائرات المصرية والسورية، واحتُلّت سيناء والجولان وما تبقى من فلسطين التاريخية. وهي شريك أساسي في حرب الإبادة على أهلنا في قطاع غزة الصامد وجنوب لبنان المقاوم. كما قُتل قبل ذلك مليون ونصف إنسان عراقي، أغلبهم من الأطفال، نتيجة الحصار الظالم، ثم احتُلّ العراق عندما فشل مخطط التجويع.

ومكّنت الولايات المتحدة حلفاءها من التنظيمات الإرهابية كداعش والنصرة والقاعدة، وسعت لتمكينهم من السيطرة على دمشق، أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ الإنساني. وهي وراء تفجيرات “البيجر” التي أودت بحياة أكثر من سبعمائة قيادي من حزب الله، واغتيال سماحة سيد المقاومة حسن نصر الله، ومحاولات إضعاف الحزب، وإن لم تستطع إنهاءه، ولم يكن الاستهداف للحزب فقط، بل للدولة في لبنان وسوريا، حيث أوعزت للكيان الصهيوني بتدمير أسلحة الجيش العربي السوري، بعد أن مكّنت حلفاءها الإرهابيين من السيطرة على سوريا، أرض الحضارة والتاريخ.

وغير هذه الجرائم الأمريكية، هناك الكثير الكثير مما لا يتسع المجال لذكره. نقول ذلك للذين يزاودون على أهلنا الشرفاء الشجعان في الكرك الأبية، وخاصة عشيرتي الضمور والصرايرة، فالكرك لا تزال تحمل صرخة الشيخة علياء الضمور: «المنيّة ولا الدنيّة»، وموقف زوجها العظيم الشيخ إبراهيم الضمور، رحمهما الله، شاهدًا على عصر الرجولة والكرامة والشرف.

لذلك، ليس غريبًا رفضهم، ومعهم إخوتهم أهل النخوة والحمية من عشيرة الصرايرة، استقبال سفير الولايات المتحدة في بيوت العزاء، بعد كل تلك الجرائم الأمريكية بحق أمتنا العربية.

ونقول للمزاودين: نحن كشعب لسنا أتباعًا لأمريكا ولا لغيرها، فهل تستوعب أنظمة التبعية والخنوع ذلك؟

منذ إنشاء الكيان الصهيوني المجرم على حساب شعبنا، والولايات المتحدة تعتبره إحدى أهم ولاياتها، ومن هنا موقفنا الواضح الرافض للسياسات العدوانية الأمريكية، وليس من الشعب الأمريكي.

وللأسف، فإن أنظمة الاعتلال العربي في وطننا هي من أساءت لشعوبها ولتاريخ أمتها، في حبها الناقص لأمريكا من طرف واحد.

وكما قال الزعيم العربي الخالد جمال عبد الناصر:
«إذا رأيتم أمريكا راضية عن سياستنا، فنحن في الطريق الخطأ، والعكس صحيح».



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد