مستعمرة النمل
مادت الأرضُ بالموظف وهو يتلقى خبرَ استدعاءِ المديرِ له؛ فارتسمت على جبينهِ تقطيبةٌ تفزعُ لها الغربان.
ثم راح يحلل الموقفَ ولعابه يتنافض ككلامه الهَذِر:
"ربما أزْعَجَتْهُ كلمتُك الأخيرة في حفل الأمس! حينما وَصَفْتَ المديرَ العام بالنملة التي لا تتعبها الواجبات!
ربما!!
ألم تجد كلمةً أفضلَ من هذه الحشرة الحقيرة كي تصف بها مديرك في حفل أقيم لتكريمه!.. كيف تخيلت نفسك في أمسية أدبية لتخلط الرموز بالحقائق أمام جمهور بات يأنف ثرثرة الأدباء في مجالسهم!
كيف فاتك أن تنعته بالنحلة مثلاً.. فهي على الأقل تستحلب رحيق الزهور وسلافة الحكمة خيبك الله، أما النملة فهي مداس لعابري الطريق..
نملة يا متهور!
والله أضحكت الناس عليك!".
قال ذلك في نفسه بينما راح يتخيلُ مصيرَه المبهَم بفرائصَ مرتعدة، ولسانٍ لاهثٍ كأنه مفقودٌ في صحراءَ متناهيةِ الأطراف؛ أو قادمٌ لتوه من الجبهة؛ وتخيل لوهلة بأن المديرَ احتسبها إهانةً شخصيةً له؛ خلافاً لما قصده الموظف المصدوم من الموقف المفاجئ؛ لذلك لم ينتظر طويلاً فسارع الخطا.
كان عليه تجاوز كلِّ أبوابِ المكاتبِ على جانبيِّ الممرِّ الطويل، فيما نظرات زملائه الشفوقة تحاصره مؤنبة،
وتباغته عبارات كانت تتساقط على سمعه كالحمم البركانية:
ألم تهدر بذلك رزق أهلك الذين يعتاشون من راتبك البائس!
ليتك تريثت قبل أن تفج رأس مديرك بكلماتك الجارحة!
فلسفتك فارغة..
لقد أُدْمِيَتْ قدماك وأنت تبحث عن فرصة عمل.. فلا تنكر فضل خطيبتك في الحصول عليها؛ وقد أحرجتها بعبارات خانتك!.
استلحقَ الموظفُ الخطوات باتجاه المكتب وعيون الزملاء ترمقه بحزن إزاء ما سيتعرض إليه من عقوبة.
بدا وجهه مخطوف اللون، وعيناه تتقلبان توجساً، فيما فمه يتلمظ طعمَ المهانةِ التي أَثْقَلَتْ على طرفيّ شاربيهِ الأحمال، فتنكسا حتى تقاطرت عليهما حبيباتُ العرقِ المتفصّدِ على جبينه، قال في نفسه:
" أكيد! سيكون وبالُها عليّ شديد..
نملة أيها الشقي!
فعقول هؤلاء المدراء ضيقة في مثل هذه الأمور كسمّ الخياط".
وأخذ يبلع ريقه متلعثماً حين قال له أحدهم منبهاً قبل أن تبتلعه إحدى مكاتب الدائرة المالية:
رأيت المدير يتطاير الشرر من عينيه المتوقدتين.. وهو يدخل الدائرة القانونية، عساه يرأف بحالك أيها المتهور.. فلسفتك أخيراً ستدميك على المكشوف.
وعلق آخر كان يضم على صدره عدة ملفات:
بل دلفَ المديرُ إلى قسم الشؤون الإدارية من الباب المتواري وكان يلاحق أحدهم بشتائم مكبوتة، أخشى أن تكون المقصود!.
وكان خبر استدعاء هذا الموظف المجتهد قد التهم كل فواصل الفراغ في وقت العمل بمكاتب الشركة، متسائلاً:
فماذا تفعل الهواتف غير إضرام النيران في عقول الموظفين المريضة فالكل يتربص بالآخر!.
وانضمت خطيبةُ هذا الموظف إلى الركبِ وهي تصبُّ جامَ غضبِها عليه، بينما كانت تعقص شعرها الناعم إلى مؤخرة رأسها، ربما ليشاهد مبلغَ الغضبِ الذي تركَ ملامحَ الخريفِ بعواصفِهِ المتربةِ على قسماتِ وجهِها المتشنج:
"ماذا يعني أنك قلت في حفل الأمس بأن كلمتك ستكون مختزلة في ذات النملة..
فتوجه الكلام للرجل المحتفى به فتقول بملء الصوت:
يا من تمثل النملة في العطاء والعمل الدؤوب، أنت نملة بين الكسالى الاتكاليين المتسلقين! ليتهم يتعلمون منكم معنى العطاء!.
معقبةً بغضب شديد:
ألم أخطر ببالك وأنت تشتم وليّ نعمتنا ولو عن غير قصد، وخاصة أن الموظفين أخذوا يعلقون على الموقف حتى تناهى إلى سمع المدير بأنهم يطلقون عليه (عطوفة النملة المبجلة)! ألا يعني هذا بأنك تتاجر بمصلحتنا مجاناً خيبك الله!؟".
ثم أخرسته بدموعها.. وكاد يتعثر وهو يواريها ظهره مستلحقاً الوقت، بينما أخذ المحاسبُ الذي دخل لتوه مكتبه، يوجه الموظف برتابة تخلو من أي معنى:
-عاجل الخطا! المدير ينتظرك على أحرِّ من الجمر.
- خير إن شاء الله.
لم يحر جواباً.. فقد تسمر الموظف أخيراً أمام المكتب ليأتيه صوتُ المدير المجلجل من الداخل ضاحكاً:
أدخل مستعمرة النمل أيها المجتهد.
فلما فتح الباب بيديه المرتجفتين لم يتسع قلبه للمفاجأة والمدير يقدمه لأحد أصدقائه بمحبة ورضا:
كانت كلمته هي الأصدق!
النمل!
ليتنا نقتفي أثر النمل في مسيرته اليومية كي نرتقي بأعمالنا.
ثم أشار إليه بالجلوس:
ستشرب قهوتك معنا تقديراً للنمل الذي نحبه.
وعقب ضاحكاً ملء شدقيه وهو يدور حول مكتبه الفاخر باتجاه الموظف المشدوه:
قرأت ملفك وما يحتويه من شهادات تقدير بحقك، هذا تميز يثير الانتباه.
ثم جعل يربت على كتفيه هامساً باعتداد:
بوجود أمثالك بيننا سيتحول مكتبي بالفعل إلى مستعمرة للنمل.. ويبدو أنني سأحوّل الشركة إلى مستعمرة كبيرة، والموظفين إلى نملٍ يعمل باجتهاد وانتظام دون هدر للوقت.. معك ساعتين منذ الآن لتكتب كلمة أخرى كي تقرءها في القاعة المجاورة حتى أكافئك أمام الهازئين بالمجتهدين أمثالك، اذهب الآن فلدينا موعد مع موظفي الشركة بعد ساعتين.
خرج الموظف مورق الوجه حامداً الله في سره.. وشعر بمستعمرة النمل تتمدد في رأسه كنور السراج.
الأردن وإسبانيا يبحثان التحضيرات لإطار شراكة قطرية جديدة 2026-2029
عمرو أحمد العاصي يحقق ذهبية أسود الهاشمي
الملك والرئيس الإماراتي يبحثان هاتفيا أبرز مستجدات الإقليم
المستقلة للانتخاب: حزب جبهة العمل الإسلامي مطالب بالتصويب القانوني
ويتكوف يزور إسرائيل للاجتماع مع نتنياهو
الرئيس الإيراني يطلب بدء محادثات نووية مع واشنطن
الاتحاد الأوروبي: إعادة فتح معبر رفح خطوة ملموسة وإيجابية
الصناعة: اتفاق أردني سوري لتذليل العقبات أمام الاستيراد والتصدير
تنبؤات الأرصاد حول المعدل العام للأمطار في شباط
مالية الأعيان تقر مشروع قانون معدل المنافسة
منتدى التواصل الحكومي يستضيف العزام الثلاثاء
رئيس جامعة عمّان الأهلية يزور جامعة ULB في بروكسل
أخطاء شائعة عند شحن سيارتك الكهربائية .. تعرف عليها
دوائر حكومية تدعو مئات الأردنيين للامتحان التنافسي .. أسماء
محاولة سرقة جريئة بقهوة في عمان تنتهي بالفشل .. فيديو
دعاء اليوم الخامس عشر من رمضان 1447
دعاء اليوم السادس عشر من رمضان 1447
تطبيقات التعري بالذكاء الاصطناعي تلاحق أبل وغوغل
هيئة الإعلام: قرابة ألف صانع محتوى في الأردن
دعاء اليوم السابع عشر من رمضان 1447
مدعوون لإجراء الإمتحان التنافسي في الحكومة .. التفاصيل
مياه الشرب بالمناطق الساحلية قد ترفع ضغط الدم في صمت
مدير مكافحة المخدرات: لا تصنيع للمخدرات في الأردن
هيئة الإعلام: مشروع تنظيم الإعلام الرقمي لا يمس الحريات الشخصية
شبهات صادمة تكشفها التحقيقات الأولية في مقتل الفنانة هدى شعراوي .. فيديو





