الولاء الأعلى: كيف تحدى عبيدات صمت الدولة من قلبها؟

الولاء الأعلى: كيف تحدى عبيدات صمت الدولة من قلبها؟

05-02-2026 10:53 PM


كانت مفارقة حياته العظيمة : أن يكون رجل المخابرات - ذلك الجهاز المصمم للصمت والسرية والولاء المطلق - هو نفسه مَن يصبح صوتاً علنياً للإصلاح والنقد الوطني.

كيف يجتمع في رجل واحد خبير الأمن الذي يعرف كل الأسرار، والسياسي الذي يحمل رؤية الدولة، والمعارض الذي يجرؤ على قول ما لا يجرؤ الآخرون على النطق به؟!

لقد قلب عبيدات المعادلة التقليدية رأساً على عقب , فبدلاً من أن يبقى رجل المخابرات المنعزل في أبراجه العالية، بعيداً عن هموم الشارع، نزل إلى الساحات العامة بكل ما يحمله من معرفة عميقة بدهاليز الدولة.

لقد حوّل معرفته الداخلية بالجهاز إلى أداة للإصلاح، وحوّل صمته الطويل إلى خطاب جريء
.
عندما شكل الجبهة الوطنية للإصلاح مع الإسلاميين والقوميين واليساريين، كان يدرك تماماً حجم المفارقة : رجل المخابرات السابق يجلس على طاولة واحدة مع من كانوا يوماً محلاً للمراقبة , لكنه كان يدرك أيضاً أن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالتخويف، بل بالعدالة , وأن الاستقرار لا يتحقق بالقمع، بل بالانفتاح , وأن النظام القوي هو الذي يتحمل التنوع ويحتضن المختلفين.

في ذروة صعوده الأمني، وهو يدير أقوى جهاز في الدولة، كان يفكر كرجل دولة , وفي قمة نضوجه السياسي، وهو ينتقد السياسات الحكومية، كان يفكر كخبير أمني

لقد فهم قبل غيره أن الأمن والسياسة وجهان لعملة واحدة: لا استقرار بلا عدالة، ولا أمان بلا مشاركة.

رحل عبيدات بعد أن كسر القالب النمطي لرجل المخابرات العربي , لم يكن ذلك الضابط المتشدد المنعزل عن المجتمع، بل كان المثقف المنفتح الذي يحاور الجميع.

لم يكن صاحب اليد الحديدية الذي يخاف منه الناس، بل كان صاحب الحكمة الذي يحترمه حتى خصومه , لقد أثبت أن رجل الأمن يمكن أن يكون في الوقت نفسه رجل الديمقراطية، وأن حارس النظام يمكن أن يكون داعية للإصلاح.

كانت جرأته الحقيقية في تحديه للصور النمطية: فبعد أن قضى سنوات في مراقبة المعارضين، أصبح هو نفسه صوتاً معارضاً.

لكنه في كل ذلك لم يخرج عن إطار الولاء للوطن - فقط وسّع مفهوم الولاء ليشمل الحق في النقد، والحق في الاعتراض، والحق في قول "لا" عندما يرى أن "نعم" تضر بمصلحة البلد.

هذا هو الإرث الأكثر جرأة الذي تركه عبيدات: أنه مزج بين ما يبدو غير قابل للجمع , بين السرية والشفافية، بين الولاء والنقد، بين الأمن والحرية.

لقد كان رجل المخابرات الذي خرج من دهاليز الأجهزة إلى ساحات الفكر، ليصبح سياسياً بلا منصب، ومعارضاً بلا عداء، ووطناً بلا شعارات جوفاء.

في النهاية، رحل الرجل الذي أخَذ من المخابرات حرفيتها وانضباطها، الذي أخذ من السياسة رؤيتها الوطنية، ورفض أن يأخذ منها مكائدها وانتهازيتها.

الذي أخذ من المعارضة جرأتها وصراحتها، ورفض أن يأخذ منها تشددها وتطرفها, جمع بين كل ذلك ليصنع نموذجاً فريداً: رجل الدولة الكامل، الذي يرى الوطن من كل زواياه، ويخدمه بكل أدواته، ويحبه بكل تناقضاته.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد