الأمة التي ماتت من الضحك

الأمة التي ماتت من الضحك

23-12-2025 01:44 PM

في الثقافة العراقية غالبا ما يرتبط الضحك، حين يشتد، بالموت. لا بوصفه حقيقة طبية ولا نبوءة، بل بوصفه عادة لغوية تشبه اللمحة السريعة الى الهاوية. كلما هم أحدهم بقول نكتة عابرة، سارعت النساء الى ترديد عبارات من قبيل: “متت”، “راح اموت”، “خربت”. كأن اللغة نفسها تخاف على صاحبها من فرط الضحك، فتستدعي الموت مزاحا كي تروض الموقف. الضحك هنا لا يمر بوصفه فرحا صافيا، بل يمر بوصفه قوة قد تفيض عن الجسد، وقد تتجاوز الحد الذي يحتمله القلب والوجه والدمع.
ولأن العراق بلد تعلم ان يسير قرب الحافة من دون أن يسميها كل مرة، صارت هذه المبالغات اليومية جزءا من لياقة الكلام. ليس المقصود أن أحداً سيموت فعلا من نكتة، لكن المقصود أن الضحك إذا بلغ ذروته صار شبيها بالارتعاش. ارتعاش لا يحدث في العزاء فقط، بل في البيت وفي السوق وفي جلسة الأصدقاء. حتى أن الغريب، لو لمح مجلس عزاء من بعيد ورأى حركة النساء فيه، قد يظن أنهن يرقصن من فرط الحركة. وما هو بالرقص تماما. انه حركة حزن، حركة توتر، حركة جسد يحاول أن ينظم الفوضى الداخلية. ومثلما يبتكر الجسد حركة كي يحتمل الحزن، يبتكر أحياناً ضحكة كي يحتمل الحياة.
لهذا لم أفاجأ حين رأيت صديقا عراقيا يعاني ما يشبه اللوعة في الضحك. كان، ما ان يسمع نكتة بسيطة أو يشهد موقفا عابرا لا يشير بالضرورة الى كوميديا مكتملة، حتى تنتابه حالة من الضحك الهائج. ضحك لا يطلب الإذن، ولا يعترف بالسياق، ولا يتوقف عند حدود المعقول. يبدأ فجأة، ثم يطول، ثم يزداد، كأنه يختبر قدرة الجسد على الاحتمال. يحاول أن يتماسك فيشتد الضحك أكثر، كأن الضحك يستقوي على الجسد كلما حاول العقل لجم اندفاعه. في تلك اللحظات كنت اشعر انه لا يضحك بقدر ما يتعرض للضحك. كأن الضحك يحدث له، لا يخرج منه.
نحن، في العادة، نميل الى تسمية هذا بسرعة: “نوبة ضحك”. وربما نضيف: “عصبية”. لكن المهم في التجربة ليس الاسم، بل ذلك المعنى الصغير الذي يختبئ خلفها: أن الضحك قد يتحول الى شيء مستقل. الى اندفاع لا يملك صاحبه مفاتيحه. وحين يصل الى هذه المنطقة، تختلط العلامات كلها: الدموع تصير جزءا من الضحك، والتعب يصير جزءا من الفرح، والحرج يصير جزءا من المتعة. يضحك المرء وهو يدري انه يزعج من حوله، لكنه لا يستطيع التوقف. كأن الجسد يسبق العقل بخطوة، ثم بخطوتين، ثم يمضي وحده.
تذكرت هذا الصديق حين وقعت على صفحات تتحدث عن سارة برنارد، الممثلة الفرنسية التي عرفت المسرح كما لو كانت تعرف بيتها. كانت امرأة ذات حضور طاغ، ومزاج لا يشبه أحداً. ويقال أن لها هي ايضا نوبات من الضحك المنفلت، وأنها كانت تضطر، مع كل عمل جديد، الى كبح ضحكاتها المدوية كي لا تهدم جدية المشهد. يكفي أن تلمح حركة غبية بسيطة، او تفصيلة غير محسوبة، حتى تبدأ بالكركرة كأن الجسد قرر ان يسخر من كل محاولات العقل في ضبطه.
ما يلفتني في هذه الحكاية، أياً كان مقدار دقتها، انها مألوفة على نحو غريب. مألوفة لأننا جميعا نعرف تلك اللحظة التي يختل فيها التوازن فجأة، فتضحك في غير وقت الضحك، ثم تزداد ضحكا لأنك أدركت أنك تضحك في غير وقته. ثم تجد نفسك محاصرا بدائرة لا نهاية لها: تضحك لأنك لا ينبغي أن تضحك، وتضحك لأنك فشلت في إيقاف الضحك. وفي النهاية يصبح الضحك مثل تيار كهربائي صغير في الجسد، كلما حاولت أن تقطعه عاد اقوى.
ويقال ان سارة كانت، حين تخفت ضحكتها فجأة، تبدو وكأنها هدأت وعادت الى رشدها. لكن هذا الهدوء لم يكن دائما سوى استراحة قصيرة قبل موجة جديدة اشد. تعود بعد ثوان الى ضحك جهوري بعينين تمتلئان بالدموع بلا توقف. وحين يطول الضحك ويضيق الجسد به، قد يتحول كل شيء من حولها الى مادة للعبث: تكسير اثاث، بعثرة أشياء، تخريب تفاصيل يومية. ليس بوصفه عدوانا متعمدا، بل بوصفه رد فعل لجسد فقد نظامه للحظات. كأن الضحك حين يستولي على الإنسان يريد أن يجر العالم معه الى خفة قسرية، الى مهزلة أو كسر طفيف في جداره الصلب.
ثم تأتي حياة سارة نفسها لتزيد المفارقة: امرأة قدمت أهم الأعمال المسرحية، وواصلت حضورها حتى بعد بتر ساقها. كانت تنظر الى جسدها بجرأة لا تخلو من مزاح، وكأنها تقول أن الفن، في النهاية، أكبر من الأداة التي يحمله بها الإنسان. وقالت مرة أن التمثيل يؤلمها. عبارة بسيطة، لكنها تفتح بابا واسعا: بأن التقمص ليس لعبة، و الدخول الى شخصية ليس نزهة. بعض الممثلين يخرجون من الدور بسهولة، وبعضهم يخرجون منه مثقلين، يحملون ظلاله معهم لسنوات. وكأنهم يفضلون أن يدفعوا الثمن كاملا، لا نصفه.
أما الحكاية التي يحبها الناس أكثر من غيرها، فهي تلك التي تضع الضحك وجها لوجه مع الموت. يقال انها، وهي تحتضر عام ١٩٢٣، طلبت حضور القس. دخل القس ومعه مساعد شاب يعاني من حول بسيط. طلب منها المساعد ترديد كلمات التطهير الروحي، وما إن نظرت إليه حتى انفجرت ضحكا. ضحك أربك الغرفة، واستمر حتى توقف قلبها فجأة. لقد ماتت حقا من الضحك، كما يقول الرواة.
لا أريد أن أتعامل مع هذه الرواية بوصفها خبرا نهائيا، بقدر ما أجدها بوصفها رغبة إنسانية في خاتمة تليق بمن عاش على المسرح. نحن نحب ان نرى الموت، حين يقترب، وهو يفقد بعض هيبته أمام ضحكة. نحب تصور أن الضحك يستطيع، ولو للحظة، أن يربك النهاية. لكن المفارقة الأجمل ليست أن سارة سخرت من الموت، بل هو الضحك، في لحظته الاخيرة، ربما سخر منها هي ايضا. كأن الضحك حين يبلغ ذروته لا يعود صديقا، بل يصبح قوة لا تفاوض، قوة تقول للجسد: اذهب معي الى اخر الطريق.
وهنا يعود الضحك الى معناه الذي نلمسه في ثقافتنا من دون ان نشرحه كثيرا: انه ليس دائما زينة للحياة. بل طاقة قد تفيض. وقد تلمس نهايتها حين تصل ذروتها. ولذلك نقول “متت” ونحن نضحك. لا لأننا نحب الموت، بل لأننا نعرف، بفطنة شعبية هادئة، أن كل شيء اذا زاد عن حده انقلب الى ضده. وان الضحك، حين يصير أقوى من صاحبه، يصبح قريبا من البكاء، وشديد التماس من التعب، ومتطابق مع تلك الحافة التي لا نحب أن نسميها.
ويبقى السؤال معلقا كما بدأ: هل نحن الذين نضحك على الحياة كي نحتمل ثقلها، ام أن الحياة، بخفتها القاسية، تحركنا لحظة فنبدو مثل دمى تضحك عليها؟ ربما لهذا يجيء الضحك عندنا دائما ومعه ظل بعيد، ظل يقول أن الضحكة ليست لنا وحدنا، وأن هناك شيئا ما يضحك معنا من الجهة الأخرى تماما دون أن يشعر به احد ما، ولذلك نردد دائماً «ضحكة خير ان شاء الله.!



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

روسيا تدين قرارات إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة

مستوطنون يقتحمون محطة بئر جبع جنوب جنين

بريطانيا تتعهد بتقديم 205 ملايين دولار لشراء أسلحة أميركية لأوكرانيا

اجتماع 3 ساعات بين ترمب ونتنياهو بلا نتائج حاسمة

غرق طفلة في سيل الزرقاء بجرش والطب الشرعي يحقق في الأسباب

وزارة الثقافة تطلق برنامجها السنوي "أماسي رمضان"

إيطاليا تجدد رفضها للأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية

الطفيلة تستعد لشهر رمضان .. تفاصيل

التحديث الأكاديمي بين الإنجاز والتحدي

تحديد مكان انعقاد اختبار الكفايات للمرشحين لوظائف من أبناء الجنوب

هيئة الاتصالات: نبحث عن النموذج الأمثل لتنظيم استخدام الأطفال لوسائل التواصل

إنذارات وإغلاقات خلال 331 جولة رقابية للغذاء والدواء على منشآت غذائية

تعيين حكام مباريات الأسبوع 15 بدوري المحترفين

ضبط وإتلاف ربع طن من المواد الغذائية الفاسدة في لواء غرب إربد

الطوباسي يؤدي اليمين الدستورية عضوا في مجلس النواب خلفا للجراح الاثنين