الاشخاص ام الانظمة ؟


الكاتب : د. عمر جعوان
اتابع كغيري من الناس هذه الايام الصحافة الالكترونية ، واطلع فيها على العديد من الاخبار التي لا اثق في صحة بعضها، واجد متعة في التعرف على ثقافات العالم التي لا يتسنى لي ان اتعرف عليها عن قرب ، وبين هذا وذاك عديد من الافكار والمواضيع .
تعلمت من خلال المشاهدات المتكررة ان الناس منقسمون في التعبير عن اهوائهم الى اقسام متعددة ، واخترت من بين كل تلك التعابير ما يتعلق بتعامل الناس مع المفاهيم السياسية ، ووجدت ان الغالبية العظمى من المدونين العاديين يتبعون الاشخاص لا الانظمة ..وبمسح سريع للذاكرة خصوصا خلال القرن الماضي رايت ان الحالة ذاتها كانت تتكرر في كل ارجاء المنطقة، ففي تركيا مثلا وبالرغم من شدة وعنف الانقلاب الفكري والحضاري والتغيرات الجغرافية التي تلت الانقلاب العلماني على العثمانيين الا ان الناس يتحدثون عن اتاتورك اكثر بكثير من الحديث عن النظام الذي تغير.
 
وفي مصر التي تغير وضعها وانتمائها السياسي وخرجت من دائرة الدولة الاسلامية الكبيرة الى دائرة محدودة الابعاد والاطراف بفضل وذكاء محمد علي ، ترى حديث المصريين وغير المصريين في معظم الاوقات عن محمد علي واسرته وكانه هو الذي بدل عقل الامة من انتماء الى انتماء. وحتى عندما جاءتثورة يوليو بابتداعاتها الستة – ثلاثة للهدم وثلاثة للبناء – الا ان الحديث عن تاريخ مصر الحديث انتقل من محمد على الى عبد الناصر والى الذين جاءوا من بعده، حيث مثل كل منهم حالة مختلفة عمن كان قبله او جاء بعده.
 
وكذلك الحال في جزيرة العرب وما حولها فانك تتحدث عن اشخاص وان اتسع الحديث قليلا فربما يشمل الاسر ، ففي اليمن يتحدثون عن الامام يحي ثم السلال وصولا الى على عبد الله صالح. ونفس الشيء في ليبيا فانه السنوسي الذي تبعه القذافي وفي العراق ابتداء من فيصل الاول وصولا الى صدام وفي تونس من بورقيبة الى بن علي وفي سوريا فالموضوع هو موضوع الاسد ، ونفس الشيء في دول الخليج العربيوهلم جرا.
 
وسيلاحظ الدارس ايضا ان هناك تنامي للمفهوم الوطني الضيق بشكل غير الذي كان ، كنا في منتصف القرن الماضي نتغنى وننشد للوطن الكبير " فنقول بلاد العرب اوطاني من الشام لبغداد ... الى اخره.، وعندما جاءت معاهدة سايكس بيكو حاربها الناس لانها اعتدت على مفهوم الوطن الكبير وقسمته الى دويلات باسماء محددة ، لكنالمتابع لما يدور في ارجاء الوطن الواسع الان يرى ان هناك اعتزاز بالاجزاء التي صنعتها تلك الاتفاقية يصل الى درجة الافتخار ويصنع حالة من غياب المحبة والتنافس السلبي. وكاننا في عقلنا نمجد سايكس بيكو ونعززها وهذا انقلاب على مستوى المواطن لا يقل خطورة عن باقي الانقلابات التي تمت في تركيا ومصر وغيرهما، وهو الانقلاب نفسه الذي جطط له واضعوا الاتفاقية ليصنعوا بعدها اسرائيل ويقزموا وحدة الارض والامة الى جهاز اداري محدود الرؤيا سموه جامعة الدول العربية.
 
اذا اصبح الناس ينتمون للاجزاء ويرفضون الشمولية ، واصبحوا يؤيدون او يختلفون مع اشخاص وليس مع افكار تبنى عليها انظمة .
 
واذا عدنا للتاريخ القديم نرى ان الصورة كانت ايضا اتباع اشخاص ولكن بشروط ان يحكم اولئك الاشخاص بانظمة محددة وان يحاكموا بها ايضا ، لا يحكمون باهوائهم الذاتية ولم يكونوا فوق المسائلة قطعا. فاليونانيون والرومان اشتهر منهم من اشتهر ولكن في ظل النظام الديمقراطي الذي وضعوه اساسا للحكم يضبط الحاكم والمحكوم ، وكان في التاريخ القديم والحديث  حكام فرديون لا يتبعون نظاما محددا .. الا انهم قلة ولهم ماثر توازي احيانا في حجمها وتاثيرها ايجابا او سلبا ما تفعله انظمة لقرون متعددة لكنها في النهاية اندثرت واندثرت نتائج اعمالها بعد غيابها ، مثلا الاسكندر المقدوني الذي امتدت امبراطوريته شرقا وغربا ، وهتلر الذي اوقف العالم على رجل واحدة حقبة من الزمان عملوا العجائب ثم ما لبثوا ان تواروا هم ونتائج اعمالهم وبقي مفهوم النظام الديمقراطي قائم يملا باتباعه صفحات التاريخ القديم والحديث سواء اتفقت معه او اختلفت.
 
وبالتالي فاننا اذا نظرنا الى حكم الانظمة فاننا نرى اختلافا كبيرا في الاوضاع عن الاوضاع التي تسود عند حكم الافراد ، فالفراعنة على سبيل المثال حكموا بنظام العبودية قرونا متعددة ، كان نظام حكمهم مبني على ان الفرعون هو الاله والشعب عبيده ، وكان الناس راضون بهذا النظام بل يدافعون عنه ان تعرض لبلبلة او اهتزاز من الداخل او الخارج ، وكان هذا النظام قوي الى درجة انه بقي راسخا لفترة ممتدة بالرغم من تعرضه للكثير من الهجمات والاهتزازات ... وبالرغم من اننا نتذكر بعض الفراعنة بالاسم الا اننا عندما متحدث عن مصر القديمة نتحدث عن النظام الفرعوني الذي عاش وامتد وقاوم لان بني على مفهوم العبودية وهو لا يشبه النظام الديمقراطي باي شكل من الاشكال. وكذلك الوضع بالنسبة للنظام الديمقراطي في اوروبا القديمة .
 
فالانظمة تعيش مئات السنين بينما حكم الفرد وان طال فانه لا يمتد الا فترة الحكم نفسها ، اضف الى ذلك ان التاريخ يقول بانه ان كان هناك حاكم قوي فان الذي يليه اما ان يكون قويا او ضعيفا ، فان كان الذي يليه قويا فانه يخالفه الاسلوب والتوجه وان كان ضعيفا فانه يضيع انجازات من سبقة ، اما في حالة حكم النظام فان الامتداد مرهون بايمان الامة بمقصد النظام ، فلما كان مقصد نظام الفراعنة هو ان الشعب عبيد والفرعون اله فقد امتد النظام طالما كان في ذهن الناس ان الفرعون اله وهم عبيده,
النظام يحكم برؤيا تخدم الجيال القادمة، والفرد يحكم برؤيا تخدم وقت حكمه ، وبالتالي فالقوة تكمن في الانظمة خصوصا ذات الرؤيا المناسبة للمشاعر والاحتياجات الانسانية العادية ، والتي ينعم فيها كل الافراد بنفس المستوى من العدل والمساواه.
وبالتطلع قليلا للخلف نرى بان النظام الذي بني على مفاهيم الدين الاسلامي عاش مئات السنين ، وهو نظام بني ايضا على العبودية ولكن لله ، ولما كانت الطاعة لله في الدين واجبة في كل العصور وكل الاماكن ، يمكن التوقع بان يكون النظام الذي يحكم على اسس من ذلك المعنى للعبودية قابل للعيش في كل زمان ومكان .
 
وفي التاريخ قديمه وحديثة سقطت الدول التي حكمت بنظام بعد ان تركته او انحرفت عنه بينما بقيت الانظمة نفسها شامخة تنتظر من يحملها ويستظل بظلها ، كما يذكر التاريخ ان حكام كثيرون سادواوشمخوا وهم على عروشهم ثم تلاشوا وتلاشت اخبارهم برحيلهم .وقد يكون من المناسب بعد هذه العجالة ان نسأل لمن الغلبة يا ترى في المستقبل ؟