مؤشرات تصادم أميركي صيني

 مؤشرات تصادم أميركي صيني
الكاتب : محمد حطيني
يبدو أن القوة العسكرية والاقتصادية التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية تبرز الحاجة لدى القادة الأمريكيين للبقاء متأهبة نحو أي عداء منظور من نواح عديدة، خصوصا ما يعتبر تهديدا حاضرا أو مستقبليا لها، كما كان عليه الحال مع الاتحاد السوفياتي الغابر الذي أدت سياساته لاسيما الاقتصادية منها، مع عدم إنكار الدور الأمريكي في ذلك إلى انهياره، وتقسيمه حينذاك إلى 15 دولة كانت هي المنضوية تحت لوائه إبان عصره الذهبي.
 
وقد كان من نتاج ذلك الانهيار أن الولايات المتحدة الأمريكية استمرت لسنوات عديدة القطب الأوحد الذي كان له الدور الأكبر في رسم السياسات العالمية اقتصاديا وعسكريا كما حصل في الشأن العراقي الذي أدى إلى تدمير الدولة العراقية التي كانت قائمة في بدايات الألفية الجديدة وذلك في عهد الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش الابن. وفيما يبدو أن الرئاسة الأمريكية الجديدة التي تخطط لعهد أمريكي جديد بدأت قبل تسلم السلطة رسميا بعد فترة وجيزة،أصابها نوع من الملل المشوب بانكسار (العظمة الأمريكية) في عهد الرئيس الحالي الذي توشك ولايته على النهاية (باراك أوباما) فراحت تبحث مبكرا عن إعادة القوة للمجد الأمريكي الذي عانى من الوهن خلال فترة السنوات الثمانية الماضية.  ولما كانت عجلة الاقتصاد والصناعة العسكرية في أمريكا  كبيرة سرعتها وقفزات تطورها، كان لا بد للعهد الأمريكي الجديد أن يسعى للبحث عن عدو جديد كانت مهادنته سياسيا واقتصاديا وإلى حد ما عسكريا نهجا متبعا لسنوات طويلة خلت في عهد عديد من الرؤساء الأمريكيين.
 
ها هو الرئيس الأمريكي الجديد يوجه سهامه نحو الصين هذه المرة وخرق السياسة الديبلوماسية التي تعتمدها أمريكا منذ عقود في تعاملها مع جمهورية الصين الشعبية من جهة ومن جهة أخرى الصين الوطنية أو ما يسمى تايوان التي تعتبرها الصين الشعبية جزءا متمردا لا بد من إعادة إلى حاضنته الأم سلما أو حربا. كان السهم الأول للرئيس ترامب الاتصال هاتفيا بالرئيسة التايوانية تساي اينغ وين، وتطرق معها إلى العلاقات الوطيدة بين البلدين في مجالات الأمن والسياسة والاقتصاد، ما أثار حنق الجانب الصيني وعده تدخلا سافرا في الشأن الصيني الداخلي، وجعل وزير الخارجية الصيني يصف المكالمة بين الرئيس الأمريكي المنتخب ورئيسة تايوان "بالعمل التافه"، علاوة على تقديم الخارجية الصينية لاحتجاج شديدة لهجته حيال ذلك الاتصال.
 
السهم الثاني الذي وجهه الرئيس الأمريكي المنتخب للصين، اتهامها بالتعمد في تخفيض قيمة عملتها اليوان، وهو أمر اقتصادي يصعب من قدرة الشركات الأمريكي على منافسة نظيراتها الصينية، هذا إضافة إلى ما تقوم به الصين من فرض ضرائب على المنتجات الأمريكية وهو ما لا تفعله أمريكا حيال المنتجات الصينية التي تورد إلى الجانب الأمريكي، ما يشير إلى الحجم المتوقع للحرب الاقتصادية القادمة بين العملاقين الأمريكي والصيني.
 
كما أن تصريح الرئيس ترامب بأن الصين تقوم ببناء مجمع عسكري ضخم في بحر الصين الجنوبي، ربما لم يأت من فراغ نسبة للتكنولوجيا المتطورة بما فيها شبكات الأقمار الصناعية المخصصة للتجسس والمراقبة التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية.  لا بد أن الساسة الأمريكيين بما فيهم المسئولين عن المؤسسة العسكرية والأمنية، يعلمون تمام العلم أن الصين تعمل بصمت منذ سنين طويلة لتطوير اقتصادها، وإغراق العالم بمنتجاتها رخيصة الثمن، وتطوير قدراتها العسكرية لتشمل بناء السفن الكبيرة وحاملات الطائرات وتصنيع طائرات عسكرية قتالية مماثلة لنظيرتها الأمريكية، ويبدو أن الأمريكيين لا يرغبون في رؤية قوة منافسة تظهر بغتة، فتبدأ تنافسهم على حمل خطام القيادة العالمية، سيما بعد بروز الدور الروسي، الحليف القوي للصين،والذي غدا مقلقا للأمريكيين في أنحاء معينة في العالم كما في أوكرانيا وسوريا، وهو ما يضاعف من الأعباء السياسية والعسكرية الملقاة على كاهل الولايات المتحدة الأمريكية، ويشكل لها صداعا مزمنا، من حيث الإعداد للمواجهة على أكثر من جبهة في العالم.
 
لكن من بدهية القول أنه لا يبدو في الأفق نزاع عسكري وشيك بين القوتين الكبيرتين في هذا العالم الذي يقوم على توازنات اقتصادية وعسكرية بينهما، لكن بالنظر لأن المفاجآت قد تظهر على حين غرة، أخذ العهد الأمريكي الجديد يعد العدة، في سبيل إعادة القوة الأمريكية للواجهة العالمية، ووجد ضالته في الدولة الصينية المزعجة له، لكي تكون محطة التصادم القادم لفرض الهيمنة الأمريكية من جديد، باستخدام جيل متطور من الصناعات العسكرية، ومن ثم استبداله بجيل منه أكثر تطورا، والأيام حبلى بالمفاجآت.

أكثر الأخبار قراءة