عصر الإرهاب - غسّان الإمام

عصر الإرهاب - غسّان الإمام

 لا مساومة. ولا تسوية بين الأمن والإرهاب. فالتعايش مستحيل بينهما. الأمن مكلف بالقضاء على الإرهاب في الموصل. والرقة. وعدن. وسرت... عندما يغدو الإرهاب أضعف من الأمن، يغادر الموقع. يبحث عن الانتقام. وطالما أن الإرهاب غير آمن في موقعه، فهو يستبيح العالم بحزامه. أو قنبلته.

ولأنك أنت لست آمنًا في طريقك. أو سوقك. أو طائرتك. أو حتى في مسرحك، فأنت لا شك تعيش في قلق. وخوف. فحياتك مهددة في أية لحظة. الكائن الذي يترصدك فقد الرغبة في الحياة. وهو مستعد لأن يأخذك معه. يضحي بك سواء كنت طفلاً. شابًا. شيخًا. امرأةً. أبًا. أخًا. مؤمنًا. ملحدًا. فأنت مرشح للموت. أنت، إذن، يا سيدي، تعيش عصرًا غريبًا. مخيفًا. كل هذه الإجراءات غير كافية لحماية مدينتك. وحيَّك. فأنت تعيش في عصر الإرهاب.
من إرهاب الفرد إلى إرهاب المجتمع بكامله. اغتال إرهابي أرشيدوق النمسا. فأشعل الحرب العالمية الأولى. في عصر الإرهاب، لا أحد يضمن الأمن والحماية مائة في المائة. الإرهاب اليوم ليس فردًا. أو خلية. أو مجموعة. هناك دولة فقدت الكبرياء والنبل. هناك رئيس أب لثلاثة أولاد قتل أكثر من 350 ألف إنسان من مواطنيه. وهناك قيصر قصف بلدًا آخر بتفويض من القاتل الذي قتل هذه الألوف المؤلفة.
قيصر يأخذ الرئيس القاتل والسوريين المقتولين إلى مفاوضة بعيدة عن المنطقة، لفرض حل أو تسوية إجبارية في سوريا لا تشارك فيها الأمم المتحدة. ولا الجامعة العربية. ولا الدول العربية. كأن عصر الإرهاب يريد أن يفرض تسوية بالإرهاب. من يعترض؟ لا أحد. لا أميركا. لا أوروبا. هناك رئيس أميركي جديد قادم إلى المسرح الدولي. وهو يتمتم بالشكر. والامتنان. والإعجاب بقيصر صانع الهدنة والسلام بالإرهاب.
لماذا لا يستطيع الأمن أن يوفر لك الحماية التامة من الإرهاب؟ لأن هذا الإرهابي الذي يفاجئك هو، إلى حد بعيد، من صنع الأمن! فاختلال العدالة، بكل مظاهره من ظلم. وقمع. وتسلط. وتخلف، هو من صنع هذا الأمن المستحكم بمنطقه. ومراجعه. وتقاليده. وأجهزته. وقوانينه.
أيضًا، المجتمع الجامد مسؤول عن الإرهاب. التقاليد الأبوية. فشل التربية. التحفيظ والتلقين للدين، من دون تفسير. تسييس الدين وتحزيبه أدى إلى تزمته. التزمت هو الخطوة الأولى على طريق الإرهاب. ما هو الإرهاب؟ تكفير الناس. زندقتها أديا إلى استباحة الدم.
في عصر الإرهاب، هناك مباهاة بالقتل. هناك إعجاب بفن القتل. قطع الرأس. حرق الأحياء. اقتحام الناس بالشاحنات. سبي النساء. كل ذلك يجري باستغلال الإرهاب لمفاهيم الدين. وبإلغاء الأمن للسياسة. والحرية. والكرامة الإنسانية.
 
أنت، يا سيدي، ضحية الأمن والإرهاب معًا. القوات الكردية التي تشارك في معركة الموصل، تحتل أراضي العرب في ريف الموصل. وتقول إنها لن تنسحب منها. سدَّت التنظيمات المسلحة مياه نبع الفيجة. أعرف وادي بردى جيدًا. قطعت مياه الشرب الأساسية عن أكثر من خمسة ملايين إنسان يعيشون في دمشق. وجد النظام الحل. ليس في التسوية. وإنما بالإرهاب. بالقصف الجوي بالبراميل المتفجرة. فامتزجت الدماء بالمياه العذبة النقية.
 
حسن نصر الله استكمل السيطرة على جنوب القلمون. نصَّبَ القناصة «المؤمنين» في قرى المصايف السورية التي كانت جميلة. فقتلوا الأطفال الشاردين من أحضان أمهاتهم. قطع حسن نصر الله كل الأشجار. جرد المصايف السورية من الخضرة. قطع شجرة إرهاب كقطع رقبة. حسن نصر الله قاطع طريق في عصر الإرهاب. مئات من أبناء الشيعة اللبنانية يَقتلون ويُقتلون على عتبات حلب. وحماة، لخدمة الإرهاب الإيراني بأمر من السيد المطل من تلفزيون الموت، في ضاحية بيروت الجنوبية.
 
في عصر القلق. والفوضى. وانهيار القيم، يغدو الإرهاب مؤسسة مهمتها إعداد وتهيئة هذا الإرهابي للقتل. ثم للموت. الإرهابي الذي يقتل باسم الدين موعود بتقديمات مغرية. في هذه المؤسسة، هناك رجال إفتاء يفتون بأن هذه التقديمات مخصصة لأمثال هذا «الفدائي»، إذا «استشهد» في عملية ارتكاب جريمة القتل.
 
الأمن الأوروبي بات يعيد رجال الدين المتزمتين الذين استخدموا المسجد في قولبة عقول شباب «انتحاريين»، إلى الدول والمجتمعات التي أتوا منها. الأمن الإسلامي وضع مرجعياته الدينية أمام المساءلة. ويشرح لرجالها مدى ما تعاني الدولة من إحراجات وضغوط أمام عالم يطالبها بإغلاق منافذ الفكر الديني المتزمت. ومصادرة المراجع والمؤلفات المتاحة بسهولة أمام المسلم العادي.
 
أضع نقطة في نهاية السطر. وأسكت. فأنا لا أملك مستمسكات كافية للاتهام. وتحديد أسماء أفراد وهيئات. لا أتكلم في موضوع جديد. فعلاقة المرجعيات الدينية بالعوالم الإسلامية المختلفة معروفة، ولم أسبق أحدًا في الحديث عنها. وهو حديث يهدأ ثم يفور.
الإعلام «الداعشي» و«القاعدي» يجيز قتل المدنيين الأوروبيين بالجملة والمفرق. لأنهم «كفار» أولاً. ثم لأنهم انتخبوا مسؤولين وأنظمة تشن «حرب إبادة» ضد التنظيمين. في هذا الادعاء مخالفة صريحة لحق المواطن في الدولة الديمقراطية الحداثية، في انتخاب من يشاء لحكمه. وإدارته.
 
غير أن القتل «الداعشي» و«القاعدي» امتد ليطال العرب والمسلمين في ديارهم، بصرف النظر عن الهوية الطائفية. وهو أمر تعافه نفس كل مسلم لا يقبل بهذا التفسير المتخلف للدين. ولا بهذا الأسلوب الدموي العشوائي، في الدفاع عن الإسلام.
 
على كل حال، مع اشتداد جنون القتل في المجتمعات الإسلامية، في عصر الإرهاب، فالأمن الإسلامي لا شك مقدم على مراجعة وسؤال مرجعياته الدينية في الفكر. والدعوة. والدعاية. وكيفية إنفاق المخصصات المالية في الداخل والخارج.
 
وأيضًا، هناك حاجة إلى مراجعة أفراد. وهيئات. ومجموعات اقتصادية محافظة سبق لها أن قدمت دعمًا لتنظيمات دينية. الغرض التأكد من التزامها بوعود قطعتها على نفسها، بتقديم الدعم عبر الهيئات الحكومية الرسمية، لجمعيات وجماعات دينية تمارس نشاطها الخيري والدعوي المعلن، من دون اتصال بتنظيمات العنف الديني.
 
بالمناسبة، المصارف الإسلامية باتت تملك مئات مليارات الدولارات. وبعضها يتسلل إلى عروق وقنوات الاستثمار المالي والمصرفي العالمي، بفضل العولمة. وأحرى بهذه المصارف أن تستثمر جانبًا من هذه الأرصدة الهائلة، في تمويل «المشروع الاقتصادي المحدود». هناك عشرات ألوف الشباب العرب والمسلمين مستعدون لإدارة هذه المشاريع في بلدانهم، تحت إشراف هذه المصارف، لمكافحة الفراغ. والبطالة. واليأس في مقتبل العمر الذي يدفعهم إلى حضن الإرهاب.
*نقلاً عن "الشرق الأوسط"