أردوغان ومفهوم التمكين - مصطفى زين

أردوغان ومفهوم التمكين - مصطفى زين

 يطبق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مفهوم «التمكين» سياسياً. ولهذا المفهوم تاريخ طويل لدى «الإخوان المسلمين»، ويعني، في ما يعنيه، أن تتغلغل في المجتمع والدولة، ولو عبر مواقع متواضعة كي تعمل لمصلحة الجماعة من الداخل، وتستقطب الأنصار، وعندما تتمكن تشهر سياستك المضادة لكل معارضيك وتبدأ باستئصالهم واحداً واحداً. هذا ما فعله محمد مرسي، قبل وصوله إلى سدة الرئاسة في مصر. لكنه تسرع كثيراً في اتخاذ قرارات طاولت كل المؤسسات، عندما أصدر إعلاناً دستورياً عام 2012 يعطيه صلاحيات مطلقة، ويحصنه في مواجهة القضاء، ما أشعل الشارع من جديد، وعندها تدخل الجيش ليعزله.

 

مسيرة أردوغان لا تختلف كثيراً عن مسيرة مرسي، كان الرجل قيادياً في حزب «الرفاه»، بزعامة أبو الإسلام السياسي في تركيا نجم الدين أربكان الذي استطاع الوصول إلى رئاسة الوزراء في ظل سطوة العسكر الذين أقالوه عام 1998 وأودعوه السجن ومنعوه من ممارسة العمل السياسي خمس سنوات، فاستغل أردوغان الوضع وغيّر، مع عبدالله غُل، اسم الحزب ليصبح «العدالة والتنمية» ونجح في الانتخابات نجاحاً باهراً، وتولى الرجلان رئاسة الجمهورية والحكومة.
 
في السنوات الأولى لرئاسته الحكومة، نجح أردوغان في تجاوز رفيقه وانتزع بعض الصلاحيات، ودعم الشرطة والدرك في مواجهة الجيش الرسمي، وأقال عدداً كبيراً من الجنرالات بحجة أنهم كانوا يخططون للانقلاب عليه، في ما عرف بحركة «أرغانيكون»، وجرى اغتيال بعضهم. لكن الرجل لم يكتف بذلك بل بدأ يخطط للوصول إلى رئاسة الجمهورية والقضاء على آخر معالم الديموقراطية، وحقق نجاحاً في هذا الأمر عندما تم انتخابه بدلاً من غُل، وهو الآن يسعى إلى أن يجمع كل السلطات في يده، من خلال استفتاء شعبي الشهر المقبل، ليصبح الحكم رئاسياً. وكي يحقق ما يريد استغل «حكاية» الانقلاب فأغلق صحفاً معارضة، وسجن إعلاميين ونواباً أكراداً، واعتقل قضاة وضباطاً وأساتذة جامعات وأغلق مدارس وقضى على معارضين ونفى كتاباً وفنانين، ويقدر عدد الذين طاولهم القمع بأكثر من أربعين ألف تركي. لا يعقل أن يكون كل هؤلاء متآمرين على «الديموقراطية»، بل هي حملة للتخلص من المعارضة، واستغلال خوف الناس لتمرير مشروعه وتنصيب نفسه «سلطاناً» بعد مضي مئة سنة على نهاية السلاطين.
 
هذا على المستوى الداخلي، أما على المستوى الخارجي، فبعدما طرح شعار انفتاح البحار الأربعة والتوجه شرقاً، وبعدما اعتبر القضية الفلسطينية قضيته، أغلق كل البحار، وعاد إلى التحالف مع الدولة العبرية، وأغرق سورية والعراق بالإرهابيين القادمين من مختلف البقاع، وبدأ يستخدم اللاجئين ورقة في علاقاته مع أوروبا التي وافقت على منحه بلايين الدولارات مقابل إغلاق الحدود ومنع اللاجئين من التدفق في اتجاه القارة القديمة، وعاد ليهدد بفتحها عندما منعت هولندا وزير خارجيته من إقامة مهرجان على أراضيها لكسب أصوات الأتراك المهاجرين في الاستفتاء عليه «سلطاناً»، وبعدما رفضت ألمانيا الأمر ذاته راح يهدد أوروبا كلها بعقوبات مؤلمة، ويتوعدها بفتح الباب أمام المهاجرين (اقرأ الإرهابيين).
 
هذا بعض من مسيرة أردوغان السياسية قبل تمكّنه من السلطة وبعد التمكّن، ولن ينتهي الأمر هنا فالرجل لن يهنأ له بال حتى يعيد الاستبداد إلى مركز السلطنة، وينشره في محيطها.

التعليقات

إضافة تعليق
التعليقات تخضع للرقابة قبل نشرها