التواضع بين الزيف والحقيقة‎

التواضع بين الزيف والحقيقة‎
الكاتب : صابر العبادي

 التنبيه إلى بعض السلوكات التي تسود في المجتمع، والتحذير منها، سيؤدي في وقت ما الى تهيئة المجتمع للتغيير الايجابي، وإن لم يكن هذا، فهو كفيل بأن يستطيع المجتمع التغلب على التحديات التي يتعرض لها جراء ما يتعرض له من هجمات ثقافية واقتصادية وبنيوية.

 
كل لفظة أو مفهوم يتداوله الناس، يتعرض لتغيرات وتبدلات سلبية كانت أو ايجابية، ومفهوم التواضع حصل له الكثير من التبدل والتغير والتطور، وكانت قمة التغيرات في عصرنا الحاضر!، حيث انتشار مواقع التواصل والاتصالات والمواصلات، ما جعل الشخص يَعرض نفسه لأكبر عدد من الناس في وقت قصير، ثم عبر هذه التطورات المجتمعية، يستطيع الشخص أن يفخر بنفسه، لأعمال قام بها أو منصب حصل عليه، أو قربه من الدولة، أو يفخر بماله ومكاسبة الدنيوية، أو حتى لباسه، أو حتى شعوره بنفسه أنه موجود، -كما نسمع عبر مواقع التواصل عبارات، فلان ولا فخر، أو فخامة الاسم تكفي، أو يفخر بأنه أكل أو شرب أو حتى جلس مع أصدقائه.
 
ذكرت هذا لأنني أسمع دائما من عبارات المدح التي تُصرف للبعض بأنه متواضع، وإذا بحثت عن أسباب للتواضع لا تجدها، لأنه ببساطة لا يوجد عند ذلك الشخص منجز يمكن أن يفتخر به، سوى أنه موجود ويتعامل مع الناس ويلبس ويضاحك الناس ويروح ويجيء.
 
التواضع لا يكون إلا من شخص له مكانة علمية أو له جاه، أو منصب كبير، وعندما يتعامل مع العامة، يشعرهم بأنه قريب منهم، والتواضع إما أن يكون زائفا أو حقيقيا، وكلاهما يظهر بوضوح على سلوك الشخص، فأنت تعرف المتكبر الذي يمثل التواضع من حركاته، فكل جوارحه تخبرك بأنه كذاب، يمثل دور المتواضع وهو في قمة التكبر.
 
 أعجبني كثيرا قول الحسن البصري رحمه الله عندما تذاكر العلماء التواضع، فقال: "التواضع أن تَشعُر أن كل مسلم تقابله خيرٌ منك". فالتواضع يأتي من داخل النفس التي تصور أي انجاز للشخص أنه مسؤولية كبيرة تعرضه لامتحان الله، وأن كل الناس أفضل منه لأنه معرّض للمساءلة والاختبار أكثر منهم، لا أن يخلع ما بداخله على الناس، ويظن أن ما يشعر به في نفسه، موجود في نفوس الناس كلهم، وأن سلوكه اليومي في وظيفته أنى كانت منقولة عبر الفضائيات لكل الناس وأنهم جلسوا جميعهم، أمام التلفاز يراقبون هذا البطل وهو يمارس عمله اليومي، لذلك ينتشر عند الكثير عبارة: (ولك انت عارف مع مين بتحكي!!!).
 
لذلك ينشط الكثير من الجائعين لهذا الشعور – الفخر-، بمطاردة المناسبات، سواء أكانت أفراحا أو أتراحا، أو جاهات أو تجمعات ثقافية أو فنية أو حتى مصائب ناتجة عن جرائم أو حوادث، حتى يحصل على لقب ناشط اجتماعي ومتواضع، وهو لا يملك إلا حضوره، فعلى أي شيء يسمونه متواضعا؟!!..