الاستحقاق العربي في فلسطين - د.عمر جعوان


الكاتب : د. عمر جعوان
لم تكن فكرة اقامة دولة اسرائيل في فلسطين جديدة وان اختلفت الروايات عن من كان خلفها داعما لها عاملا على تحقيقها، فالبعض يرجع الفكرة الى زمن سقوط الدولة الاموية في الاندلس في القرن الخامس عشر حيث تم طرد وذبح المسلمين واليهود معا على يد الحكام الاسبان المنتصرين حينها .
 
 وكما هي الحال لدينا الان نعود للافكار العقائدية عند الكوارث وفي لحظات الضعف اكثر مما نعود اليها في الرخاء وحين تكون الحياة سارية بسهولة , فقد اشعل طرد اليهود من الاندلس فكرة عودة اليهود الى تراثهم وتلمودهم وبالتاكيد الى ارض كان لهم بها علاقة تاريخية  تراثية من وجهة نظرهم .
 
ويرجع البعض بداية فكرة اقامة دولة اسرائيل الى عصر نابليون في فترة ما من القرن التاسع عشر حين زار مصر ولبس فيها العمامة واشاع فيها انه اسلم ، ومنها قام بزيارة للقدس لم يدري احد حينها ماذا كان في رأس نابليون ، الا انه قال عند حائط البراق بان هذه الارض تصلح وطنا لليهود ، ولعل افكار وتصرفات الرجل كانت انعكاسا لفكر ديني مشوش دفعة الى ابتكار افكار غير عادية في زمان ومكان غير عاديين وامام جماهير يغلب على تفكيرها حالات الحيرة العقائدية والقومية والوطنية ليس في بلاد العرب فقط بل في اوروبا.
 
والمشهور ان الفكرة بدأت في المؤتمر الصهيوني الاول في بازل بسويسرا في اواخر القرن التاسع عشر مع ازدهار الفكر الاستعماري في اوروبا ، ومع استشراف المفكرين اليهود لفكرة التنازع مع المسيحيين الاوروبيين بعدما بدات نتائج تلك المنازعات تظهر في التجمعات والتكتلات الشعبية المسيحية الاوروبية ضد اليهود خصوصا ان احداث كبيرة مثل مذبحة ليدز لليهود في بريطانيا كانت ماثلة في اذهان كهانهم ومفكريهم.
 
وبغض النظر عن البدايات وعن فقد كان هناك من وما يدفع باتجاه انجاح الفكرة التي كانت قد تبلورت في اذهان بعض القيادات الصهيونية المعتقد واليهودية الدين نظريا ابالاتجاه الى فلسطين ، وقد ارادوا ان يقنعوا ويجتذبوا بقية يهود العالم لفكرتهم بانهم قد اعلنوا بان فلسطين وطنا قوميا لليهود، ولكنهم وبدهاء شديد لم يعلنو بانها وطن ديني بل وطن قومي لليهود ، وذلك من اجل خلط الاوراق وتغليف فكرهم الاستعماري اصلا وهدفا بمسحة توراتية من اجل نشر الفكرة وجمع التبرعات ودفع الناس للهجرة لفلسطين من كل اصقاع الارض.
 
التقت فكرة اليهود الصهاينة مع القوميين الاوروبيين ، وكليهما ركب موجة وفكرة الدين لانجاح خطته ، الاوروبيين ارادوا التخلص من اليهود الذين ضايقوهم اقتصاديا الى درجة الخنق ، وللاستدلال على ذلك فان المعاجم الانجليزية  كانت تفسر كلمة يهودي بالمرابي وكان ذلك الى نهاية الستينات من القرن العشرين كدليل على ان الموقف من اليهود كان تضارب المصالح الاقتصادية ليس الا .
 
اما اليهود الصهاينة فانهم كانوا اكثر ميلا الى الافكار الاشتراكية الفتية في ذلك الوقت والتي لم تكن تعطي للدين قيمة في بناء وتحديث الفكر لدى الناس ، وبالتالي فلكي لا يخونوا مبادئهم الفكرية الاشتراكية ولكي يجمعوا حولهم اليهود في العالم قالوا بان الوطن الذي يسعوا لاقامته في فلسطين هو وطن قومي وليس وطن ديني لعلمهم بان الدين اليهودي في حينه غير قادر على خلق وطن نظرا لتعدد الاعراق والاوطان لليهود في العالم ، وارادوا بذلك ان يضربوا عدة عصافير بحجر واحد حيث كان لهم تجميع الاعداد من اليهود حولهم وكان لهم اثارة الاختلافات بين اليهود ومجتمعاتهم بقوة حيث اصبح يشعر اليهودي بانه ينتمي لجهة واتجاه خاص به ، ثم كان لهم ان استفادوا من ضغط اثرياء اليهود على الخطوط السياسية في البلدان التي يعيشوا فيها خدمة للفكرة.
 
ومن المعروف ان اليهود المتديننن عارضو ا الفكرة ولا زالوا يعارضونها ، ففي محافلهم في الخارج ، في بريطانيا على سبيل المثال ، فانهم يجاهرون بالاختلاف الى ذرجة العداء مع اسرائيل ، والموجود منهم في القدس يرفض الاعتراف بالدولة ويمنع اتباعه من الخدمة في الجيش ، مما يدل على ان فكرة اقامة الوطن القومي لليهود فكرة ليست دينية بل بالعكس فان تطويرها وتغييرها من قومية الى دينية كما يطالب بها نتنياهو قد يؤدي الى شرذمتها وربما تمزيقها من الداخل . 
هذا يدفع المهتمين بشؤون القضية الى ان يغلبوا فكرة ان اقامة دولة اسرائيل كان وراؤها حاجة مصلحية اخرى وليس دافعا دينيا وفي حالة انتهاء او انتفاء المصلحة فانهم سيديروا ظهرهم لها بعد ان يكونوا قد خلفوا ماساة او مآسي ليس للفلسطينيين فقط بل ربما لليهود انفسهم.
 
واذا كان الوضع كذلك فان ما اخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة وان ما اخذ بالمصلحة قد يسترد بمصلحة مناقضة. 
 
وقد اعتمد الصهاينة في اقامة دولة اسرائيل على استغلال فكرة المعاناة اليهودية في ديار ليست لهم وعن عداء لتجمعاتهم من قبل الاغلبيات التي يعيشون وسطها وعن حقهم في استرداد الربط بين تاريخهم وحاضرهم ، ومن جهة اخرى اعتمدوا على وضوح رؤيا فيما يسعون اليه وعلى قدرة هائلة على وضع استراتيجية قوية لتحقيق الرؤيا وعلى قدرات عجيبة في بناء الخطط المحكمة وايجاد وسائل ناجعة لتقيق الاهداف واستغلال كل ظرف وكل شخص كل بحسب قدرته وامكانيات عطائه لخدمة المشروع .
 
 واستطاع خبراء الاعلام واساطين البروباغندا والعلاقات العامة ان يزرعوا في نفس كل يهودي فكرة واحدة متكررة في كل بيت وفي كل شخص يهودي كالشعار الذي رفعة الصهاينة في بداية نشأتهم ، فقد دغدغوا عواطف يهودية اليهود في كل مكان برفعهم الشعار المشهور عند كل وجبة طعام (اللهم اجعل الوجبة القادمة في اورشليم).
 
لم يكن الذكاء الصهيوني علويا ولا القدرات الصهيونية خارقة للعادة بل كان الذكاء المحيط بهم متهاويا او مستغلا في امور اخرى ، والقدرات المستهدفة من قبلهم تم توجيهها الى اضعاف موقف اصحابها ، وفي كلتا الحالتين فان الامر كان يصب في مصلحة الفكرة الصهيونية ومصالحها.
 
وبعد ...فماذا عن الحق العربي في فلسطين وما هي الاستحقاقات ؟
 
لم يختلف اثنان عبر التاريخ بان فلسطين للفلسطينيين وانهم منسوبين اليها اصلا بالتسمية ، وبالرغم من تعاقب الدول على حكمها وتعاقب الاديان على التواجد فيها والتقاء تلك الاديان فيها بعد التعاقب الالهي بالرسالات ، ومرور او تواجد الانبياء والرسل منها او فيها فان الحال لم ولن يتغير بان فلسطين للفلسطينيين .
 
وكونها اراض مقدسة فليس من المعقول ولا من المنطقي ان يدعي من كان له من قدسيتها شبرا ان ينازع وينافس من كان قد تعهد قدسيتها حينما كان هناك حيث كانت القدسية ، فمن الامثلة الصارخة على تعدد القدسيات التي مرت على فلسطين وعلى اصحابها الفلسطينيين مثلا  ان اسم رام الله يعني جبل الله وقد سمي كذلك لان عيسى عليه السلام واثناء عودته مع والدته المكرمة مريم  ويوسف النجار من مصر جلسوا ليأخذوا قسطا من الراحة على ذلك الجبل ولذلك اسموا القدماء ذلك الجبل بجبل الله (رام الله). هذا بالاضافة للناصرة والجليل وبيت لحم وايليا (القدس) والخليل التي سماها اهلها نسبة الى خليل الله ابراهيم عليه السلام وبني نعيم (وبها مقام يقال بانه للنبي لوط عليه السلام) والنبي موسى ونابلس وغزة هاشم (بها مقام هاشم جد الرسول الاعظم محمد صلى الله عليه وسلم ) وبحر غزة حيث قصة يونس عليه السلام والحوت ( خان يونس) ، مرورا ببئر سبع وعلاقتها باولاد يعقوب عليه السلام حيث بداية رحلة يوسف عليه السلام الى مصر .
 
ولم تكن رحلة الاسراء والمعراج الى ومن  فلسطين الارض المباركة حول بيت المقدس بما لها من دور في بناء وترسيخ العقيدة الاسلامية اخر الاحداث ، ففي عمواس وعين جالوت تستكمل القصة ، ويشهد سور القدس العظيم على سليم الثاني ودولته في التبرك بفلسطين والمحافظة عليها بل واعمارها ، ومن يمر بالقدس هذه الايام فليزور الاقصى ريحاول قراءة ماكتب في قبته من الداخل ليعرف ان من الذين جددوا تلك القبة ولا زال اسمة منقوشا عليها هو الناصر صلاح الدين الايوبي ويستطيع ان يقرأ على باب المسجد الاقصى عبارة منحوتة على حجر تقول بان الملك فاروق ملك مصر والسودان حينها قد قام بتجديد واعمار المسجد ، وسيرى بزهو وفخر تلك القبة الذهبية التي تقف شامخة كالشمس وقد بناها الامويون وجددها الملك الحسين بن طلال ، هذا بالاضافة للعديد العديد من الشواهد الشامخة في باقي القرى والمدن والجبال والبراري في فلسطين والتي لا تخلو من نفحة مقدسة او مرت بها حالة مقدسة مع اختفاء الحالة وبقاء الارض دونما تنكر للحالة او نسيانها.
 
اذا فالحق الفلسطيني في فلسطين لا منازع له لا بالتاريخ ولا بالجغرافيا ولا بالدين ولا بالتواجد الديموجرافي ، لكن الحالة الراهنة فيها تقول غير ذلك ، تقول بان البعض قد نازع اهلها عليها وفي غفلة من الزمان وحالة غير طبيعية استولى عليها ويحاول كل يوم ان يصنع فيها تغيير لصالح فكره وتوجهاته ولكن هيهات فقد اتسع الخرق على الراقع.
 
ها هم الفلسطينيون يذهبون للامم المتحد في حركة محدودة غير مؤثرة جدا على صعيد واقعهم الا انها تثير حنق وتهز واقع حكام اسرائيل الصهاينة الى ابعد الحدود وهذا بحد ذاته اعتراف بصحة موقف اصحاب الارض وباطل الادلة الصهيونية ، وله دلالة اكبر من ذلك اذ عندما كانت الاحداث في المنطقة منذ الخمسينات الى السبعينات من القرن الماضي في عز فورتها مع ازدهار الفكر القومي العربي والناصرية الجامحة الا ان الصهاينة استطاعوا الانتصار في معركة كان من المفترض ان تكون اكبر بكثير من معارك العرب مع الصهاينة في الاعوام التي انتهت بالنكبة، وسميناها في حينها عام النكبة ، حتى لا تضيع فلسطين وتتخلد ذكراها في جينات اجيالها كما سمى العرب المسلمون قديما غزو ابرهة لمقدساتهم في مكة بعام الفيل ، وفي المعركة الثانية التي سماها العرب عام النكسة التي تضاءلت فيها القوة العربية الى مستوى الهوان وتعاظمت فيها القوة الصهيونية الى درجة العنفوان .
 
ويدل ذلك على ان القوة الكبيرة التي كانت تتمتع بها اسرائيل ذلك الوقت على المستوى العسكري والدبلوماسي توازي وتزيد عما اجتمعت عليه القوة القومية العربية مدعومة بالناصرية ومعها فكرة ودول عدم الانحياز ومؤمنة بالسلاح والتكنولوجيا المعقدة من الاتحاد السوفييتي والتي كانت تخيف امريكا نفسها ، ومع ذلك انتصرت اسرائيل ولم يكن يهز شعرة في بدنها قيام اية حركة سياسية فلسطينية او عربية مهما كبر حجمها وفعلها .
 
اذا لماذا تهتز اسرائيل كل هذا الاهتزاز من تصويت روتيني في الامم المتحدة لاقامة دولة فلسطينية على الورق؟ الجواب قطعا ان اسرائيل ضعفت او هزلت او بدات بالانحسار، ولهذا طلبت من عملائها واصدقائها دعمها في اي محفل يؤثرون فيه ، واخرها كان اعتراف رئيس دولة امريكا بالقدس عاصمة لها [ وقد تم هذا الاعتراف بالرغم من ان الامريكان والصهاينة في فلسطين بانه وضع لا يقدم ولا يؤخر في انهيار الدولة التي بنوها قسرا وعنوة في فلسطين.
 
ويعلم القاصي والداني في العالم بان السبب الوحيد الذي اوقف نمو اسرائيل ودفعها الى الانحسار والبدء بمشروع النزول والتنازل يكمن في وضوح الحق الفلسطيني في فلسطين وبدء العمل على تحصيل الاستحقاقات الفلسطينية .
 
القوة التي امتشقها الشارع العربي اخيرا اعادت فلسطين الى الحضن العربي وغيرت الواقع  من الضعف والهوان الذي استشرى في الجسم الفلسطيني والعربي لسبعة عقود الى القوة والمنعة والانطلاق للاعلى .
 
ان الصحوة العربية والعقائدية الشاملة وليست الاقليمية هي التي  رفعت الغبار عن الحق الفلسطيني بل الحق العربي في فلسطين المقدسة ووضعت اسرائيل في حجمها الطبيعي الذي لم يكن اكبر مما هي عليه الان ، بل دفعها للتراجع وبداية النزول والتنازل ، وان اعتبارها لوقفة يقوم بها وفد فلسطين للامم المتحدة او تعامل وفدا فلسطينيا مع جماعات ومنظمات حقوق الانسان هي ام المعارك يدل دلالة قاطعة عى ان هناك تغيير قد تم في الواقع الذي نعيشه اليوم لصالح الحق والاستحقاق العربي الفلسطيني في فلسطين.