الموت الجميل واللقطة الأخرى

الموت الجميل واللقطة الأخرى
الكاتب : بكر السباتين

ألقمت ضرعها لطفلها الذي بات لا يقوى على الصمود.. هيكله العظمي كاد يمزق جسده الأسود الواهن المشدود.. عيناه جاحظتان كأنهما لظبي يكابد مشقة التحرر من أنياب حيوان مفترس.. وبطنه المنتفخ يكاد ينفجر من خواء.. كانت أمه مطروحة  جانباً على الرمضاء.. لا يقترب منهما إلا الذباب والفضوليين وسيدة أنيقة المظهر.. طٌوِّقَ ساعدُها الأيمن بشارة إحدى منظمات حقوق الإنسان..أخذت تركز عدسة التصوير على ملامح وجهيهما الآفلة.. كانت تتأمل المشهد وتطلب من الله أن يسعفها في موقفها العصيب هذا.. مرددة في أعماقها:

" ساعدني يا رب! فقط أريد تصوير لحظة الموت التي تطبق على السؤال!! لنفهم كيف يطفأ البريق!"
 
علها تفوز بمسابقة التصوير التي تشرف عليها إحدى هيئات الإغاثة الدولية!
 
لقد آنت اللحظة المنشودة حينما أخذت عينا الأم الجاحظتين تتقلبان في نار القهر والسؤال.. وقد اثقل الموت جفونهما.. كأنها تودعت من حياة الذل والانكسار.. وجسدها الذي غطاه الذباب ينتفض في رمقه الأخير كالحبش الذبيح.. وضرعها يتقطر بآخر قطرة حليب متخثرة صفراء..
"لقطة مدهشة.. ستهز الضمير العالمي"..
 
قالتها المصورة وهي تستحلب حلاوة قطعة كعك كانت قد التقمتها بفمها حينما أحست ببعض الجوع.. وها هي تخرج زجاجة الماء البارد من حقيبة اليد المعزولة لترتوي متأهبة لالتقاط "أجمل" مشهد يعبر عن مأساة الجياع في أفريقيا، فتلاحقت دقات قلبها المأخوذ بهذه اللقطة الموجعة.. حينما استلحق الطفل المهزوم قطرة الحليب السائلة على حلمة الضرع المنهدل كدمعة أم صابرة؛ لتستقر في حلقه الجاف.. ونام بعد ذلك على ضرعها المتهدل الناضب من الحياة.. فغرت الأفواه.. كأن عقارب الساعة توقفت! فلم تتأكد المصورة إن كان الطفل قد غيبه النوم أم أنقذه الموت من وجع الحياة.. لأن الذباب كان يغطي كل ملامحه السوداء..
 
لا بأس.. ستنجح في لقطة أخرى !