الاقتصاد الأردنيّ وفُرص خفض عجز الموازنة العامة

 الاقتصاد الأردنيّ وفُرص خفض عجز الموازنة العامة
الكاتب : د. حسين البناء

يُعتَبر عجز الموازنة العامة المزمن في الأردن المَصدر الأساسي لنمو الدين العام (نسبةً و حجمًا)؛ إذ تلجأ الحكومة لسد (فجوة العجز في الإيرادات) سنويًا عن طريق الاقتراض بشقيّه الداخلي والخارجي، وهذا بدوره يراكم المديونية عامًا بعد آخر.

 
تجاوزت نسبة (الدين العام) من الدخل القومي المحلي (91%) حيث بلغت قيمة الدين العام ما يقارب (26 مليار دينار) وهذا شيءٌ سلبيٌ  و له تأثير بالغٌ على تصنيف الدولة ائتمانيًا ومن حيث المخاطرة، وبات تصنيف الأردن حسب مؤشر ( S&P ) في فئة ( BB- ) حاليًا، وهذا يتم وصفه بأنّه (سلبيٌ مع نظرةٍ مستقبليةٍ سلبيةٍ) الأمر الذي يُعني تراجع جاذبية الإقراض و رفع نسبة (سعر الفائدة) على القروض لتعويض المخاطرة المتنامية. لعل ذلك ما دفع الدولة للاقتراض داخليًا بالدينار بدلًا عن الاستدانة الخارجية، وهذا من شأنه تحويل الحكومة للعميل الأول والأكبر للاقتراض من السوق المحلي، ليزاحم و يحرم القطاع الخاص والأفراد من تلك الفرصة نظرًا لجدارة الحكومة (ائتمانيًا و مخاطرةً) مقارنةً مع الشركات الخاصة.
 
يُمكن لنا الاستنتاج بأن تقليل فجوة العجز السنوي في الموازنة العامة هو مدخلٌ جادٌ لوقف نمو الدين العام، وهنالك من السيناريوهات القابلة للتطبيق الكثير، وأبرزها سيناريو وقف (الازدواجية) التي من شأنها مضاعفة التكاليف، وخاصة تلك الازدواجية في: 1) تقديم الخدمات الصحية الحكومية. 2) الإدارات المحلية واللامركزية. 3) الهيئات الخاصة المستقلة.
 
أولًا: ازدواجية الخدمات الصحية:- 
تقوم الحكومة الأردنية بتقديم مضلة خدمات علاجية واسعة لجميع العاملين والمتقاعدين وعائلاتهم، ولكن ثمة تداخل و تكرار كبير في ذلك، بدءًا بالجهة الأولى ممثلةً بوزارة الصحة (للمدنيين وعائلاتهم)، ثم الخدمات الطبية الملكية (للعسكريين وعائلاتهم) وجهات أخرى تتكفل بتغطية نفقات العلاج مثل (الديوان الملكي) و وزارة التنمية الاجتماعية و المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، وإلى جانب كل ذلك، هنالك مظلة التأمين الصحي الخاص تقدمه شركات التأمين الصحي. في كثيرٍ من الحالات نجد بأن الأسرة الواحدة تتمتع بأربع مظلات للتأمين الصحي في ذات الوقت ! ممَّ يشكل ازدواجية و هدرًا كبيرًا في نظام الخدمات الصحية.
 
 الحكومة قادرة على وقف جميع أشكال الهدر و الازدواجية بمجرد إعادة هيكلة نظام الخدمات الصحية العام تحت هيكل مؤسسة عامة موحدة تقوم بتنظيم و إدارة كافة المظلات العلاجية تحت بابٍ واحدٍ و إدارة واحدة و دائرة شراء موحد، الأمر الذي يحقق وفرًا بملايين الدنانير سنويًا.
 
ثانيًا: ازدواجية الإدارات المحلية:-
في كل محافظة من الأردن هنالك مجلس بلدي مُنتَخب أو أكثر، ومجلس تنفيذي المحافظة برئاسة المحافظ المُعيَن، و مجلس لامركزية مُنتَخب ومُعيَن، و بعض مجالس الإعمار. جميع هؤلاء يتواجدون في ذات المكان و يتنازعون الموارد و يعيق كل منهم عمل الآخر بسبب الغموض القانوني و الصراع على النفوذ والصلاحيات. في المحصلة كل ذلك يمثل كلفة باهظة على الموازنة العامة و موازنة المحافظات بدون تقديم خدمات ملموسة أفضل للمواطن. 
 
الحكومة قادرة على توفير ملايين الدنانير سنويًا بمجرد دمج كل هياكل الإدارات المحلية تحت مظلة إطار حكم محلي واحد واسع الصلاحيات، يؤدي بدوره جميع تلك الأدوار المتداخلة المكررة و المزدوجة.
 
ثالثًا: الهيئات العامة المستقلة:-
منذ نشوء فكرة المؤسسات المستقلة ثبت عملانيًا بأنها لا تقدم شيئًا أفضل مما كانت تقدمه سابقًا عندما كانت جزءًا من هيكل الوزارات التقليدي، على العكس من ذلك، فقد تضخم حجم و عدد الهيئات والمؤسسات العامة المستقلة لتشكل عبئًا إضافيًا على كاهل الموازنة العامة و بدون قيمة مضافة ملموسة على الواقع، تجاوز عددها الخمسين، بموازنة تفوق الملياري دينار، لتشكل هيكلًا بيروقراطيًا مكررًا موازيًا و مزدوجًا من الحكومة المركزية.
 
يمكن للحكومة توفير ما يقارب نصف المليار دينار سنويًا في حال نجحت في دمج و هيكلة المؤسسات المستقلة تحت مظلة الوزارات التقليدية، مع منحها بعض المرونة القانونية لاستقطاب الكفاءات و تحفيز العاملين وتقليل الروتين غير المرغوب.
 
قد تكون فكرة (خفض الإنفاق العام) بحد ذاتها غير مستساغة أبتداءً، حيث يَعتَقد كثيرٌ من الاقتصاديين بأن تعزيز نمو (معادلة الدخل القومي المحلي) سوف يتأثر سلبًا من جراء خفض الإنفاق العام؛ إذ أنه يشكل أحد العناصر الخمسة الرئيسة لدالة الدخل المحلي، وبالتالي فهو رافع للنمو بطبيعته، والنمو مؤشر مرغوب في ظل التباطؤ و الركود الاقتصادي الذي تعيشه الدولة.