الثنائية الضدية في أبيات ابن زيدون

الثنائية الضدية في أبيات ابن زيدون
الكاتب : شريف الترباني

 هذا المصطلح من قضايا النقد الحديث ، وقد أشار له أسلافنا ولكن بأسماء أخرى ، وإن كان المضمون واحدا ؛ فهذا العلامة الجرجاني يقول في كتابه ( أسرار البلاغة ) ( 32 ) : 

( وهل تشك في أنه يعمل عمل السحر في تأليف المتباينين حتى يختصر لك بعد ما بين المشرق والمغرب ، ويجمع ما بين المشئم والمعرق ... ويريك التئام عين الأضداد ؛ فيأتيك بالحياة بعد الموت مجموعين ، والماء والنار مجتمعين ، كما يقال في الممدوح : هو حياة لأوليائه وموت لأعدائه ، ويجعل الشيء من جهة ماء ومن جهة أخرى نارا ) !
فهذا كلام عظيم من الجرجاني في توضيح وظيفة هذا الأمر ( الثنائية الضدية ) ، فمن خلال الثنائية يولد المعنى الجديد والصورة المختبئة بين الضدين .
والذي دعاني لأتحدث عن هذه القضية أني أعملت هذا المصطلح في أبيات لابن زيدون المخزومي الاندلسي حيث ظهرت تلك الصور المختفية وراء جدار الضد مما يعطي الباحث والدارس سبر أغوار النفس الشاعرية ويساعده على رصد الاحاسيس والمشاعر ...
ولولا هذه الثنائية الضدية لما أتيح للباحث هذا السبر وهذا الرصد .
 
وقصيدة ابن زيدون من أولها إلى آخرها محشوة الثنائية الضدية :
 
أضحى التنائي بديلا من تدانينا 
....... وناب عن طيب لقيانا تجافينا
 
فقد بدأ أبياته بالفعل ( أضحى ) وهو مشعر بالحرارة وحرقتها ؛ وهذا يناسب حرارة الفراق والقطع الذي حل بين الشاعر ومحبوبته ولادة ... !
 
وقد أعملت هذه الثنائية في أربعة أبيات من قصيدة ابن زيدون وإن كانت كل أبياته تصلح لذلك ؛ ولكني رأيت أن قضية الثنائية تتمركز في هذه الابيات الاربعة المختارة :
 
ليسق عهدكم ؛ عهد السرور فما
....... كنتم لأرواحنا الا رياحينا
 
يا جنة الخلد أبدلنا بسدرتها
........ والكوثر العذب زقوما وغسلينا
 
إن كان عز في الدنيا لقاؤكم
........ في موقف الحشر نلقاكم ويكفينا
 
عليك سلام الله ما بقيت
....... صبابة بك نخفيها ؛ فتخفينا .
 
ففي البيت الأول يظن القارئ أن كلمة ( رياحينا ) تحمل الرائحة الزكية فقط ، ولكن هناك معنى أدق وأخفى في أحشاء هذه الكلمة ألا وهي ( المرارة ) ، فإذا كان الوصل كانت الريح الطيبة التي مصدرها الريحان ، وإن كان الفراق فهو طعم الريحان المر والعلقم ؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - واصفا طبيعة المنافق بالريحان من جهة الرائحة والطعم :
( ... ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ؛ ريحها طيب وطعمها مر ) ، وهذا من دقائق فهم استعمال كلمة ( رياحينا ) في بيت ابن زيدون .
 
يا جنة الخلد أبدلنا بسدرتها 
...... والكوثر العذب زقوما وغسلينا
 
فالماضي عند ابن زيدون هو اللقاء والحاضر هو الفراق ، فذكر شجرة السدر لها رمزية التحول والدعاء على من كان سببا في الفراق بينهما .
 
قال تعالى : ( لقد كان لسبأ في مسكنهم آية ؛ جنتان عن يمين وشمال ، كلوا من رزق ربكم واشكروا له ؛ بلدة طيبة ورب غفور ، فأعرضوا ؛ فأرسلنا عليهم سيل العرم وأبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ) .
قال قتادة : ( بينما شجر القوم خير الشجر إذ صيره الله من شر الشجر بأعمالهم ) .
فشجر السدر يوحي بتبدل الحال وتغيره ، فقد جاء شجر السدر في السنة الصحيحة وأثر عن وهب بن منبه :
 
1 - المسلم إذا مات يغسل بماء وسدر ( الانتقال من الحياة إلى الموت ) .
 
2 - الكافر إذا أسلم يغتسل بماء وسدر ( الانتقال من الكفر إلى الإيمان ) .
 
3 - المسحور والمعيون يغتسل بماء وسدر ( الانتقال من المرض إلى العافية ) وهذا عن وهب بن منبه .
 
4 - فيه الدعاء على من تسبب بهذا الفراق بينهما ؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( من قطع سدرة ؛ صوب الله رأسه في النار ) !
 
ثم يصل ابن زيدون إلى حالة من اليأس في عدم اللقاء بولادة :
 
إن كان قد عز في الدنيا لقاؤكم
........ في موقف الحشر نلقاكم ويكفينا
 
وهذا يذكرنا بأبيات الأحوص :
 
إذا رمت عنها سلوة قال شافع 
....... من الحب : ميعاد السلو المقابر
 
ستبقى لها في مضمر القلب والحشا 
....... سريرة ود يوم تبلى السرائر
 
فثنائية الموت والحياة ، والدنيا والآخرة تسيطر على أبيات ابن زيدون .
 
عليك منا سلام الله ما بقيت
....... صبابة بك نخفيها ؛ فتخفينا
 
فقد خيم الموت وسيطر على الحياة ؛ فقد ألقى سلام الموتى الذي كان من سنن الجاهلية الأولى .
 
قال الشاعر يرثي قيس بن عاصم :
 
عليك سلام الله قيس بن عاصم
....... ورحمته إن شاء أن يترحما
 
فما كان قيس ، هلكه هلك واحد
........ ولكنه بنيان قوم تهدما
 
وقال الشماخ :
 
عليك السلام من أمير وباركت
....... يد الله ذلك الاديم الممزق
 
وقال ابو تمام يرثي حميدا الطوسي :
 
عليك سلام الله وقفا فإنني
....... رأيت الكريم الحر ليس له عمر
 
فتقديم الجار و المجرور على الدعاء هذا سلام الموتى كما جاء في حديث أبي تميمة الهجيمي - رضي الله عنه - عند أبي داود .
 
فانتهت الابيات بانتصار ثنائية الموت والقطع والفراق على ثنائية الحياة والوصل واللقاء .
 
ولكن بقي عند ابن زيدون بصيص لقاء يوم الحشر :
 
أن كان قد عز في الدنيا لقاؤكم 
....... في موقف الحشر نلقاكم ويكفينا .