ما بين تغريدتين للرئيس ترمب - حنا صالح

ما بين تغريدتين للرئيس ترمب - حنا صالح

 بين تغريدتين للرئيس الأميركي ترمب عاشت المنطقة والعالم وخصوصاً الولايات المتحدة حالة إرباك غير مسبوقة. التغريدة الأولى في 19 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والتي تحدثت عن انسحاب سريع من سوريا خلال 60 إلى 90 يوماً بعد «الانتصار على (داعش)»، أما الثانية في 31 منه؛ فكانت عن إبطاء الانسحاب بالقول: «داعش اختفى تقريباً ونحن نعيد جنودنا ببطء (...)، وفي الوقت ذاته نحارب فلول (داعش)». عشرات السيناريوهات تم تقديمها في عشرة أيام، تناولت ما يمكن أن تكون عليه الأبعاد والأهداف والنتائج التي سيرتبها الانسحاب، ومن الخاسر ومن المستفيد وكيف وبمن يمكن ملء الفراغ في منبج وشرق الفرات؟

 

كل القوى المتدخلة في سوريا بدت متريثة ومتحسبة. روسيا مثلاً التي دأبت على وصف الوجود الأميركي بغير الشرعي وطالبت واشنطن بالانسحاب لم تكشف عن خطوات لافتة، أما تركيا التي كانت تهدد منذ فترة بعمل عسكري كبير ضد الوجود الكردي، أو من تصفهم أنقرة بقوى إرهابية تستهدف الداخل التركي، أعلنت عن تأجيل خططها العسكرية. فالحدود شرق الفرات تمتد 550 كلم يضاف إليها نحو 400 كلم من الحدود غرب الفرات، ما يعني أن التدخل العسكري يتطلب جيشاً جراراً وموازنة مفتوحة، والاحتمالات جدية بأن يتحول التدخل إلى مستنقع للجيش التركي، وهذا ما يقلق إردوغان الذي يعلم أنه بعد تجربة عفرين لن تكون «وحدات حماية الشعب» الكردية لقمة سائغة. وبدت الانتقادات الأميركية للانسحاب المتسرع هي الأعنف، وتوجت بشرخ في الإدارة الأميركية باستقالة وزير الدفاع الجنرال جيمس ماتيس. 
 
هنا المؤشرات الحقيقية بين التغريدتين كانت تشي بأن الوضع الجديد مرشح لإدخال سوريا والدول المحتلة في صراعات جديدة قد تستمر لأمدٍ طويل... ودون شك فإن «لقاء موسكو» الروسي - التركي التنسيقي الذي أُدرج في خانة التحضير للقاء يجمع الرئيسين بوتين وإردوغان لم يكن مريحاً لصناع القرار في واشنطن، وربما قرع جرس إنذار من احتمال خلق وقائع على الأرض تفضي إلى ما يشبه بدء الحرب الثانية على سوريا. هنا نفتح مزدوجين للإشارة إلى أن دور الطرفين، وخصوصاً الأتراك، كان متواضعاً في قتال الإرهاب الداعشي، وهما في الممارسات التي اتبعاها لتدمير قوى الثورة السورية المعتدلة منذ تحالفهما الميداني في الحرب على حلب، ولاحقاً عبر مسار آستانة، لم يخرجا عن المسار الذي أنجب «داعش»، واستمرار هذا المسار في سوريا كما في العراق، سيجعل المنطقة أمام خطر «داعش» 2 وربما «داعش» 3.
 
هل لمس الرئيس ترمب حجم هذه المخاوف في زيارته القوات الأميركية في العراق وفي لقائه القادة الميدانيين للحرب ضد «داعش»؟ السؤال حقيقي والأرجح أنه توقف أمام التداعيات السلبية للانسحاب السريع على مسار العقوبات الأميركية على النظام الإيراني، وأن التطورات التي سيحملها عام 2019 قد تجعل فرصه في العودة إلى البيت الأبيض محفوفة بالمخاطر، والأرجح أن هذه المعطيات هيمنت على غداء العمل الذي جمعه مع السيناتور الجمهوري لينزي غراهام الذي «اطمأن» لإرادة سيد البيت الأبيض، فأعلن أن «الرئيس مصمم على ضمان أن يكون تنظيم (داعش) قد هُزم بالكامل عندما نغادر سوريا»، وكذلك بعد «التأكد من حماية القوات الكردية وضمان ألا تصبح إيران الفائز الأكبر من انسحابنا».
 
لقد أدى الوجود العسكري الأميركي المتواضع في سوريا دوراً محورياً بالتحالف مع «قوات سوريا الديمقراطية» وقوى التحالف الدولي إلى كسر شوكة الإرهاب الداعشي، ومنح هذا الوجود واشنطن فرصة محورية في معركة العقوبات على النظام الإيراني ووضع حدٍ لدور طهران في تخريب المنطقة، وأتاح للأميركيين الفرصة لممارسة التأثير الكبير في الضغط لاستعادة مسار جنيف بوصفه السبيل الوحيد لإيجاد حل مستدام للمسألة السورية يضمن عودة آمنة للاجئين، وفي الوقت نفسه منح تل أبيب مظلة مكّنتها من التطلع لدور يتجاوز الجولان المحتل... جاء قرار الانسحاب ليهدد بفراغٍ سيخلق إشغاله من أي قوة وضعاً خطراً على المصالح الأميركية. 
 
ومن الطبيعي أنه في ضوء الاستثمار الإيراني الكبير في سوريا فإن مثل هذا القرار مغرٍ جداً لنهج نظام الولي الفقيه في التوسع وإحكام السيطرة، وبدا أنه متاح لطهران، رغم التنافس مع الروس، أنه بالإمكان فتح الجسر العسكري الإيراني إلى المتوسط ما يعني تقديم سوريا على طبق من ذهب لحكام طهران، كما أدى ذات يوم قرار بريمر بحل الجيش العراقي إلى ملء رموز النظام الإيراني الفراغ في بغداد.
 
ولن يكون صعباً على الإيرانيين رسم تسويات مع الإسرائيليين، وما التصريحات الأخيرة للوزير جواد ظريف عن نفي أي استهداف لإسرائيل إلا دُفعة على الحساب. هنا يجدر التوقف أمام «الاتفاق الطويل الأمد» الذي أُبرمَ الأحد الفائت بين طهران ودمشق؛ كونه المؤشر لما هو آتٍ في منحى المواجهة مع المصالح الأميركية، وتحديداً في الالتفاف على العقوبات التي تريد منها واشنطن لي ذراع حكام طهران وتغيير سلوكهم.
 
في عودة لتصريحات السيناتور غراهام لفت قوله إن الخروج من سوريا الآن سيعرض الأكراد لمجزرة «وإذا تعرضوا لمجزرة من سيساعدنا في المستقبل»، ما يعني أن الحرب قد تتجدد وعلى الأميركيين العودة بشكل أم بآخر لأن المنطقة ستكون وبشكل أفدح أمام السياسات نفسها التي فرضتها طهران لتهميش الأكثرية الممثلة في السنة العرب في سوريا والعراق ولبنان، ولا تستطيع واشنطن التعويل كثيراً على أنقرة التي تنكر أصلاً هذا الدور لـ«داعش»، وهنا تبدو تعهدات الرئيس إردوغان للرئيس ترمب مجرد مجاملات.
 
والجدير بالذكر هنا التوقف أمام ما أورده مسرور برزاني المسؤول الأمني الرئيسي في كردستان الذي نبّه إلى أن «داعش» تعيد تنظيم وضعها ونشاطها، وأنه «من سوريا إلى الأنبار والموصل هناك عودة كبيرة للدواعش الذين انغمسوا في المجتمعات المحلية»، والأكيد أن استراتيجية هذه المجموعات النائمة في كثير من المناطق لم تعد المواجهة المباشرة للدفاع عن أراض ومدن، ما يتطلب إعادة نظر في أساليب المواجهة السابقة.
 
بعيداً عن الحشود الميدانية التي ستأخذ بالاعتبار التغيير الجذري في المعطيات، لا بد من متابعة ما ستسفر عنه المفاوضات السياسية بين «حميميم» والقوات الكردية من جهة، فالدور الروسي مهم في رسم حدود نفوذ ودور كل طرف، ومن الجهة الثانية ما سيبحثه في أنقرة في الأيام المقبلة جون بولتون مسؤول الأمن القومي الأميركي. 
 
العنوان الأميركي مزدوج ميداني وسياسي ويقتضي الأول قيام منطقة عازلة في الشمال السوري بين «وحدات حماية الشعب» والمواقع التركية، وهنا تعويل على دور مهم للعشائر العربية التي واجهت «داعش»، ومعروف أن وحدات من «قوات النخبة» المتحدرة من عشائر الحسكة، وتشكل الجناح العسكري لـ«تيار الغد» برئاسة أحمد الجربا الرئيس السابق للائتلاف السوري، تحشد للانتشار في المنطقة الممتدة بين رأس العين وتل أبيض كعازل تطمئن له تركيا... والعنوان السياسي يكمن في الدفع الأميركي لمبادرة سياسية كما وعد السفير جيمس جيفري تحيي مسار جنيف للوصول إلى تسوية حقيقية تضمن عودة اللاجئين ووحدة الأراضي السورية.