موسم الرحلة إلى الشمال مرة أخرى مع العم سام 4

موسم الرحلة إلى  الشمال مرة أخرى مع العم سام 4
الكاتب : أ.د.فايز ابو عريضة
 مع بدء اطلالة فصل الربيع وبعد الحوار الصريح مع العم سام في تشتانوجا بولاية تينسي والذي أعاد لي الوعي بما يدور في بلادنا، بدأت بالاستعداد إلى استكمال الحوار ولكن هذه المرة في الشمال الأمريكي، ويممت شطر الشمال تيمننا (بالروائي العالمي السوداني الطيب الصالح في روايته موسم الرحلة إلى الشمال) وقد انتابني الرعب من الجلسة الأولى، لأننا في بلداننا نحاسب على النوايا، فكيف إذا سمعنا حديثا لا تنقصه الصراحة ولم نرفضه أو حتى ننسخه من الذاكرة، حتى لا يصبح حجة علينا  بعدم القيام بالواجب نحو الوطن والأمة، و قد نتهم بالخيانة العظمى. فقررت ان اهاجم العم سام وادحض ادعاءاته في رحلتي إلى الشمال.
 
في شيكاغو كان الوضع مختلفا؛ فقد استقبلنا الثلج في المطار، وأعاد لي الذكريات  الجميلة في موسكو؛ حيث كان موسم الثلج يوحي إلى النفس الصفاء والإصرار على تحدي الظروف المناخية الصعبة، ولم يدم ذلك طويلا، وبدأت رحلة البحث عن التاريخ، فاهتديت إلى معركة للغزاة مع السكان الأصليين الذين أطلقوا عليهم مجازا الهنود الحمر لأنها تسمية كولمبوس على اعتبار أنه أبحر للهند ووصل بالصدفة إلى القارة الجديدة ،  وفي  الشمال وعلى الحدود مع كندا، انقض البيض على السكان الأصليين واجهزوا على معظمهم من قبائل (الشايان واللاكوتا)، وقتلوا قطعان الثيران الأميركية - التي هي قوتهم وكسائهم - في معركة كعادة الغزاة كما يقول الشاعر تميم  البرغوثي: (الغزاة في البداية، قليلو العدد كثيرو السلاح، عديمو الضمير والإنسانية وكثيرو الطمع). ولجأ ما تبقى منهم إلى المرتفعات المكسوة بالثلوج، يقتانون الاعشاب ويكتسون من بقايا الثيران التي لجأت معهم هربا من الغزاة
 
وكان في القبيلة كما تقول الرواية رجلان تم اعتبارهما قادة للتمرد! وسمي أحدهم بالثور الجاثم، والآخر الحصان الهائج ، وعلى خطى غاندي كانوا شعارهم الصمود ومواجهة الإعداء بالمغزل والماعز ، وكانت المعركة الفاصلة في عام1875، حيث صال فيهم الحصان الهائج لأنه كان يؤمن بأنهم لن ينالوا منه، وخلاصة القول سمعتها من أحد أحفاد الحصان الجامح الذي قال لي لا تصادقوا  أصحاب الأموال والسطو، واستلهموا  من التاريخ سر المقاومة التي عنوانها النصر دائما، من الفقراء والصابرين على الجوع ويرضون بالقليل ولا تغيرهم المناصب والأموال. 
 
وعودة إلى شيكاغو حيث اصطحبني ياسر - ابن شقيقتي الكبرى- إلى جولة في المدينة حيث  التنوع في الأعراق والألوان، فهذا حي الافارقة الأميركيين، وهذا  للمكسيكان، واما العرب فقد تفرق القوم ايدي سبأ في كل الأحياء كعادتهم! ولكنهم على تواصل دائم من خلال الأعياد والمناسبات، وأيام الجمع في المساجد. ولأن ياسر لا يزال على عهد أجداده في أكرام الضيف، فاصر أن التقى بمن لبى الدعوة للالتقاء  بالضيف في منزلة، ودعاني ابو محمد(طلال شتات) الذي اعادني إلى البدايات في الظاهرية وعناب الصغيرة والكبيرة وبوابة الصحراء وحتى( الغماري) - احد الأولياء الصالحين-  من إرث الدولة الفاطمية؛ حيث تضاء له الشموع ليلة الجمعة. وتكللت دعوة الصديق طلال بمنسف عز نظيره بجميد  ظهراوي حيث ترى جبال الكرك من هناك، وبعدها بيومين التقينا بإعداد كبيرة في بيت عزاء لطبيب عربي فلسطيني انتقل الى الباري عز وجل في ريعان شبابه بمرض عضال، فشاهدت  نفس الوجوه وبنفس التنافس في أداء الواجب نحو أهل المتوفى كما في اربد أو عمان أو بتونيا في رام الله. واصطحبني ياسر مع ابن صديقي وزميل دراستي في المدرسة؛ الكاتب والأديب الدكتور محمد ذياب ابو صالح،  الدكتور الطبيب  منيف، الذي أمضى ثلاثة عشر سنة من عمرة في الصين في الدراسة وأصر على المزيد في بلاد العم سام، بعزيمة المؤمن الذي ينشد  ضالته في الحكمة اينما وجدها.
 
وعلى ضفاف بحيرة متشيغن التي تطل على ولايات عده، كانت بداية اليوم في وسط المدينة التي تعكس هوس الأمريكان في الأحجام الكبيرة، المستوحاة من القارة، من المسسبي النهر الأطول في العالم، إلى جبال روكي ومرورا بالبحيرات الخمس. وانعكس ذلك على سلوكهم في العالم بأنهم الأكبر قوة والأعظم شأنا في اساطيلهم، و جيوشهم، وعملائهم. وقد ترى ذلك في أجسامهم واوزانهم وسياراتهم ووجباتهم مع عصافيرية أحلامهم.
 
وانتقلنا إلى وسط المدينة حيث يقف ترامب على الواجهة في برجه الاميز وقد تلون النهر بجواره الذي يقطع  المدينة بالاخضر، مما قد يوحي بأن قد تكون هناك توارد للافكار مع القذافي ويرى بعضهم انه جنون العظمة، فهذه الساحة الخضراء في طرابلس والكتاب الأخضر  بلون النهر، فهل هناك تلاقي بالافكار يبن ترامب والقذافي؟ وقد تجيب الايام القادمة على التساؤلات التي تدور في أذهان العالم إلى أين نحن سائرون، وأعددت العدة  للتوجة للغرب عسى أن أجد جوابا للتساؤلات  التي تؤرقني ماذا بعد القدس والجولان ؟؟؟؟