عاجل

أمريكا تكشف عن أول خطوة من صفقة القرن

غريزة الإنقياد‎

غريزة الإنقياد‎
الكاتب : صابر العبادي

 بعيدا عن الدراسات الفكرية والنفسية، في إثبات انقياد الجموع للشخص المتصدر أمامهم حقيقة ثابتة، وهي غريزة موجودة في الانسان مثلما هي موجودة في الحيوان، وهي في الانسان أظهر وأوضح إذا تخلى عن العقل والفكر السياسي، وتتجلى في كل مناحي حياة الانسان، وحركته إذا كان موجودا ضمن حشد يتصدره فرد مهما كان شكله أو إمكاناته أو حتى أداؤه، فالكل يجد فيه ما يشبه البطل أو حتى أكون منصفا، ما يقارب النصف يراه مميزا! ويسعى كل شخص من الحشد الى التقرب منه ويرى نفسه مميزا بقربه.

 
يظهر هذا في نظرة الركاب الى سائقي الحافلات التي تنقل طلبة المدارس أو التي تعمل على الخطوط، أوسائق الحافلة في رحلة مدرسية أو جامعية، وهو الذي يتعامل معه مجتمع ركاب الحافلة في يوم الرحلة فقط. فتجد الشباب اليافعين والفتيات ينظرون إليه وكأنه إنسان كامل ذو قوى خارقة، وأغلب من في الباص ينظرون اليه نظرة إيجابية حتى أن بعض الفتيات يرين فيه فتى الأحلام، والركاب من كبار السن يرونه الفتى صاحب المعجزات. والأمر قد ينسحب على كل من يراكب في حافلة، وقد يجد "الكنترول" نفس التقدير من بعض الركاب وخاصة من القريبين له بالعمر.
 
كذلك في الدورات والمحاظرات التي يقوم شخص بتدريب أو تدريس، أشخاص أكبر منه سنا أو مركزا، تجد إذعانا عجيبا للمحاظر، وتلحظ تقربا من شخصه بالرغم من أن المتدربين أعلى مركزا وأكبر عمرا، لكن كونه وضع أمامهم وتولى عليهم، تصبح النظرة اليه مختلفة، تقترب من النقديس.. وهذا هو الذي يجعل الشخصيات العامة من الممثلين ولاعبي الكرة، والاعلاميين والوزراء والنواب والسياسيين وأي شخصية عامة يراها الحشد.. وصولا الى القادة والحكام، عندما يراهم الحشد، يتخلى عن عقله ورأيه فيهم حتى لو كانوا مكروهين، وبدون أي تفكير.. يهش لهم ويبش وينقاد لهم بوحي من غريزته التي يتقاطع بها مع أي كائن حي آخر..
 
 لهذا كان الحشد يرى القادة في العالم العربي مؤلهين وملهمين وتجد من ينظر لهم نظرة تقديس، مع أن الطبيعي أن يكونوا عرضة للنقد الشعبي، يوازي أداءهم أو أثرهم على حياة الشعب، سلبا أو إيجابا، ما يجعلهم يستوعبوا هذا النقد ويقوموا سلوكهم وسلوك الدولة! لكن الأمر عندنا جاء معكوسا لأسباب عديدة منها: السيطرة الخارجية، وعدم تربية الناس على النهج الصحيح للحكم والدولة، والذي شوهته الممارسات المنحرفة للحكم، والسيطرة الغربية على الحكم في البلاد العربية، فكثير ممن يتعاطون السياسة من الشعوب لم يعيشوا أجواء حكم صحيحة، ولم يتصوروا من خلال تعلمهم وقراءاتهم في التاريخ والسياسة النهج الصحيح للحكم، والنتيجة أي حركة سياسية يقومون بها، سيجني ثمارها من يحرك المشهد..
 
وكذلك الحكام والمسؤولون، لا يعرفون معنى الحكم الحقيقي الذي هو سياسة البشر بناء على ما يعتقدون وهم من يفوض الحاكم للحكم، فجاء الحكام وبطانتهم بطرق غير صحيحة بدون رضا الشعب ويديرهم من وضعوهم.. فجاؤوا كما لا يريد الشعب، وأرهقوهم ليرضوا من وضعهم، والناس بين موالٍ تحركه عريزة الانقياد، ومعارض لا يملك أدواته، سوى بعض التنفيس الذي لا يبني دولة مستقلة.. وبذلك فقدت البلاد العربية بوصلتها الصحيحة، وضاعت الاتجاهات..