استطلاعات الرأي المغشوشة و صناعة التطبيع - محمد خالد الأزعر

استطلاعات الرأي المغشوشة و صناعة التطبيع - محمد خالد الأزعر

 ذكر موقع "تويتر" أن وزارة الخارجية الإسرائيلية أشرفت على استطلاع للرأي في الشرق الأوسط في كانون الأول (ديسمبر) الماضي؛ أكد أن نسبة مرتفعة من شعوب الدول العربية التي لا تقيم علاقات ديبلوماسية مع إسرائيل، ترغب في مثل هذه العلاقات.

 
إذا عطفنا هذا الخبر على ما أعلن منذ بضعة أشهر حول اضطلاع فريق من الخبراء وذوي التخصص لعامين متتاليين، بحصر ممتلكات اليهود العرب في البلاد التي غادروها منذ العام 1948، نتأكد أكثر فأكثر بأن الصهاينة يجوسون خلال الديار العربية، عبر أدوات ناعمة وتحت عناوين مستعارة، بما يمكنهم من تحصيل معلومات أو بث سموم فكرية توافق أهدافهم.
 
الجرأة والسهولة التي تجري بها هذه المداخلات، تبدو لافتة ومثيرة للحفيظة. هي قضية اختراق للأمن العربي بمفهوميه الوطني والقومي؛ وتستحق الاهتمام بالفعل من جانب المختصين. هذا ما يستلهم مثلاً وبلا مواربة من محاولة التلاعب بالوجدان الشعبي العربي، التي تنطوي عليها عملية نشر ما قيل إنها نتائج الاستطلاع الأخير عن مواقف الشعوب من التطبيع مع إسرائيل. وخلاصتها أن نسب المستعدين لإقامة علاقات مع إسرائيل والإقبال عليها، آخذة في التزايد بوتيرة ملحوظة، وهي في السودان 50 في المئة وفي العراق 43 في المئة وفي المغرب 41 في المئة وفي تونس 32 في المئة.
 
بالنسبة إلى إسرائيل والإسرائيليين، تبدو هذه المعدلات مبشرة بتحولات إيجابية لصالحهم، وتشير إلى انصراف العرب عن زمن العداء والممانعة. لكننا نحسب أن هذه النتائج، لا تستوجب التهليل والإشادة التي قوبلت بها، كونها مشوبة بالتدليس وعدم الإنصاف العلمي. فطبقاً لاستطلاع عربي مشابه خلال العامين 2017 و2018، نعثر على نتائج مغايرة وربما كانت مخيبة لآمال الإسرائيليين، قياساً بأحوال الرأي العام العربي في الاستطلاع الإسرائيلي الطازج الأخير. ومنها أن نسب الرافضين تماماً لتدشين علاقات مع إسرائيل، أو الاعتراف بها من الأصل، لا تقل عن 87 في المئة من عامة العرب، وذلك لكونها دولة استعمارية استيطانية، تحتل فلسطين وتمارس سياسات توسعية، وغايتها الهيمنة على العالم العربي بأسره.
 
نود القول إن نتائج الاستطلاع الإسرائيلي، لا تعبر عن حقيقة المواقف الشعبية العربية، وإنما تم تصفيفها وتصديرها في هذا التوقيت، بهدف ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد؛ منها بلا حصر: التسميم السياسي وإحداث البلبلة وبث الفتنة عربياً من ناحية؛ وتشجيع المترددين والمرتابين في صحة اتجاه التطبيع من ناحية ثانية؛ ورفع أسهم نخبة الحكم والسياسة الموصوفة باليمين الديني والعلماني بزعامة بنيامين نتانياهو من ناحية ثالثة. فقهياً وإجرائياً، لا يجوز التسليم بحصيلة الاستطلاعات والاستبيانات، بمعزل عن التأمل عميقاً في أسلوب صياغة الأسئلة، وطبيعة الجمهور المقصود باستيضاح توجهاته واستمزاج مواقفه ومعرفة ميوله وتفضيلاته، والسياق التاريخي والموضوعي لهذا الإجراء، وتحديد الغاية منه والجهات المعنية به والممولة له والمنوط بها تطبيقه ميدانياً.
 
مراعاة هذه المحددات والضوابط، تقودنا إلى سبر أغوار الأمر، وإمكان التمييز بين الاستطلاعات الاحترافية المنضبطة بمنهجية موضوعية ولا يعنيها سوى استجلاء الحقائق المجردة، وبين تلك المدفوعة بالأهواء الآيديولوجية والسياسية والمشحونة بحمولة دعائية؛ التي تسعى إلى توجيه الرأي العام وسوقه إلى التعلق بقناعات معينة.
 
إلى ذلك، لا ينبغي تجاهل احتمال توظيف طريقة عرض نتائج الاستطلاعات، بنشر بعضها وحجب آخر، وفقاً للمرادفات الفكرية والسياسية والاقتصادية ونحوها. ومن ذلك أن استطلاعاً نشرت نتائجه حديثاً، كشف أن 85 في المئة من الكويتيين يعارضون أي مظهر للتطبيع مع إسرائيل. لكن المصادر الإسرائيلية لم تتطرق إلى هذه النقطة، واكتفت بالاحتفاء باستطلاع وزارة الخارجية إياه، مع إخفاء طريقة إجرائه والآليات التي اعتمد عليها والجماعات التي شاركت فيه.
 
هذه التفنيدات والشروح الانتقادية، لا تحول دون الاعتقاد بأن استمالة الرأي العام العربي إلى دروب التطبيع مع إسرائيل قضية، ولعلها معركة ناعمة، قائمة على أشدها. إنها قضية تدور رحاها بالتوازي والتزامن مع المداولات والخطط والمبادرات، الهادفة إلى إكساب التطبيع أولوية على تسوية الأبعاد السياسية للقضية الفلسطينية، واسترداد بقية الأراضي العربية المحتلة.