التعليم بمستوياته على المحك

 التعليم بمستوياته على المحك
الكاتب : أ.د.فايز ابو عريضة

يحاول الكثير الحديث عن العملية التعليمية بكافة مستوياتها ووصف الحالة التي آلت إليها دون التطرق للأسباب والمسببات التي أدت إلى ما أدت اليه وهناك إجماع من الخبراء والمعنيين   بأن  الأمور تسير باتجاه عكسي قد تنذر بكارثة تربوية قبل التعليمية

وفي معظم الحالات يتفادي الكاتب أو المحلل أن يضع النقاط على الحروف لأسباب معظمها ذاتية تتعلق بالكاتب نفسه، وأما  فيما يتعلق بالأسباب التي أدت إلى ذلك علما بأنها ليست بجديدة ومنذ عقود خلت والتي ادت إلى تراجع واضح في المنظومة  التعليمية والتربوية،  وسأحاول هنا ان أدلي بدلوي حول الموضوع  لعلي افوز بالأجر سواء أخطأت أو أصبت .

ان الانفصام الذي أصاب بعض المسؤولين أدى إلى الحالة التي نحن بها عندما حاولوا فرض نظريات تعليمية ثبت فشلها في مهدها في الولايات المتحدة ورجعوا الينا منذ عقود وهم يقودون عملية التغيير في المناهج وإعداد المعلمين مما افقد العملية عنصرا أساسيا فيها الا وهو اختيار  المعلم  وإعداده بشكل يؤهله للقيام بدوره على أكمل وجه لان المدرسة تنهض بالمعلم الناجح والكفؤ وهذا ما ركز عليه التعليم الخاص وكذلك الجامعات ترتقي بمستوى هيئاتها التدريسية والنماذج في الجامعات العالمية تؤكد ذلك، ففي الوقت الذي كان الأوائل في الثانوية العامه في البدايات هم من انضموا إلى سلك التعليم  وباستعراض التاريخ الحديث للدولة الأردنية تجد أن رجالاتها  الأوائل والقادة السياسين كانوا معلمين ويفخرون بذلك والبعض منهم من لم ينل شرف الخدمة في التربية والتعليم تمنى ذلك  وكان للمعلم الأردني دورا رئيسيا في التعليم في دول  الخليج  ولا زال البعض يتغنى ويفتخر انه تتلمذ على أيديهم وبعد الطفرة النفطية في سبعينات القرن الماضي وتنامي الطلب على المهن الطبية والتطبيقية وارتفاع مردودها المادي تراجعت  قيمة المهن التربوية، وقد يذكر البعض أن المهندسين كانوا يعملون في التعليم لانحسار الفرص وهجرة الكفاءات التربوية وتدني الدخول والاغرءات الخارجية وبدات تظهر التقسيمات في التخصصات إلى ندرة ووفرة وتسلل إلى التعليم الأقل كفاءة وبدأت مظاهر الخصخصة والدروس الخصوصية لعدم القناعة بمستوى المدرس والصراع على العلامة للفوز بمقعد جامعي في التخصصات الطبية والهندسية كمطلب مادي واجتماعي .

وكان للبعض دور أخطر من ذلك عندما تقلصت فرص العمل للزيادة في أعداد الخريجين  عندما حصروا التعيينات في اللواء والمحافظة  وأحيانا في البلدة الواحدة مما حرم مناطق متعددة في المملكة من الكفاءات ولا زالت هذه القضية تراوح مكانها حيث يتم تعيين خريج اليوم بغض النظر عن مكان التخرج ومستوى الجامعة ويقبع زميله ودفعته في التخرج سنين طويلة بانتظار دوره في ديوان الخدمة المدنية  ولوكان خريج هارفرد  في الرياضيات  اوالعلوم وتصدى بعض النواب لمنع تعيين معلم فيزياء بمرتبة الشرف من الجامعة الأردنية لأنه من خارج المحافظة وتعيين بدلا منه خريج جامعة اتحفظ  عن ذكر اسمها مباشرة وتقدير مقبول ومعدل (67)في الثانويه العامة  قي الوقت الذي كان سابقا  يعين من أقصى الشمال في الجنوب والعكس تماما ويقيم  ويستقر في مكان عمله.

اما اليوم بالكاد تجد مدرسا من خارج البلدة نفسها، وانتقل الوضع إلى الجامعات في الوقت الذي كان الدخول إلى الجامعة للمبعوثين والمبدعين والمستحقين بحكم درجاتهم في الثانوية العامة فقط انفتح الباب على مصراعيه في الداخل والخارج وانتشرت الجامعات الخاصة والرسمية في مناطق متعددة وضخت  إعداد هائلة من الخريجين للتعليم وغيرة دون تدقيق أو اعداد مهني يرقى للمستوى بحده الأدنى وهذا ما أشار إليه دولة عمر الرزاز في محاضرة له في الجامعة الأردنية العام الماضي حيث افاد (بأننا ركزنا في المرحلة الأخيرة في التعليم العالي على الكم على حساب الكيف) مما إنعكس على العملية برمتها وادى الى بروز ظهور طبقة من القادة التربويين الغير مؤهلة للادارة بعد عقود من  التردي في التعليم ووصل الأمر إلى قمة الهرم في التعليم العالي حيث تجد بعض أعضاء مجالس امناء الجامعات ليس له أدنى تجربة أو خبرة في العمل وإنما جوائز ترضية ومحاصصة مناطقية حتى وصل الأمر إلى تولي قيادات تربوية من خارج الجسم التربوي واخطات بعض الحكومات عندما استوزرت أساتذة جامعات مما اغرى البعض (وهم قلة) ممن اعتبر الشهادة جسرا للعبور للمناصب والدرجات العليا وأن فرصته قادمة وبات ينتظرها  ولم يعد يهتم بمهنته أو طلبته بل يبحث عن وزارة أو إدارة عليا  داخل الجامعة وخارجها كأولية لدىهم في صراع دائم على حساب المهنة ومخرجاتها، وتدخلت جهات متعددة في تعيينات الهيئات التدريسية والإدارية في المؤسسات التربوية والجامعية مما حدا بالبعض الابتعاد طوعا او قسرا والانتقال إلى مجالات أخرى أقل حدة في التنافس وابتعدت أو ابعدت كفاءات وطنية واستقطبتها دول الخليج والمهجر، وان التراجع في التعليم العالي يرجع في أساسه إلى الفشل الذريع في إدارة الجامعات والا ماذا يعني أن ترى جامعة تنهض وتتطور في غضون سنوات بفعل إدارتها وتنهار في شهور بفعل إدارة أخرى ودليل ذلك أن التطور في إعداد الجامعات والهيئات التدريسية دون النظر إلى الكفاءة أو الحاجة إلى هذه الجامعة أو تلك والطريقة التي يتم  بها تعيين رؤساء الجامعات غير مقنعة ويجب إعادة النظر في أسلوب اختيار القيادات التربوية بدءا من مدير مدرسة أساسية  ورؤساء الجامعات وانتهاءً بمجلس التعليم العالي  واجزم أن هناك إجماعا باننا نمتلك قامات تربوية وإدارية  إذا ما اتحيت لها الفرصة الكافية  ستعيد الأمور إلى نصابها الصحيح  ولذلك نرى  أن الموضوع بحاجة إلى حوار وطني ملتزم وجاد للخروج من الأزمة!!