اعرف نفسك فقط

اعرف نفسك فقط
الكاتب : فراس الطلافحه

 في مقدمة رائعة الأدب العالمي (الخيميائي) وأنا هنا لا أنقلها حرفياُ إنما من ذاكرتي. يقول مؤلفها باولو كويلو: كان أحد متصوفي الإسلام يحتضر حين سأله تلميذه: من كان معلمة؟ فأجاب: مر علي الكثيرون ربما مئات وربما ألاف ولن أستطيع ذكر كل واحد فيهم وأضاف لي لأنني لن أنتهى من ذلك، وسأكون في عداد الأموات بعد فترة ليس بالطويلة، ولكن سأذكر لك ثلاثة كان لهم التاثير الكبير بي وبمسيرتي الصوفية، وفهم حقيقة التوكل والعمل، وحتى وصلت إلى ما وصلت إليه. أنا كاتب هذا المقال سأتناول واحداً من هؤلاء الثلاثة وهو (اللص) وأبني عليه مقالي، والرسالة التي أريد إيصالها.

 
يقول الصوفي: ذات يوم كنت في صحراء وقد تهت بها حتى إستهديت إلى الطريق وعدت إلى بيتي متأخراً وكنت قد وضعت مفتاح بيتي عند جاري، ولم أشأ إيقاظه في هذه الساعة المتأخرة من الليل. فصادفت رجلاً أعانني على فتح الباب بلمح البصر، وعلمت فيما بعد أنه يعمل لصاً، ويعتاش من سرقاته. أعجبني صنع الرجل وأدخلته إلى بيتي، وأكرمته بعد أن أعجبت بحسن صنيعه. مكث عندي شهراً واحداً وكان يخرج كل ليلة، ويقول سأذهب إلى العمل، أما أنت فداوم على التأمل والصلاة. عندما يعود كنت أسأله ما إذا غنم شيئاً ما؟ كان جوابه دائماً: لم أوفق في إغتنام شيء هذا المساء، لكنني إن شاء الله سأعاود المحاولة في الغد. يقول الصوفي أيضاً: كان رجلاً سعيداً لم أشاهده يوماً مستسلماً لليأس جراء عودته صفر اليدين، وعدم تمكنه من سرقة أحدهم. من بعدها وفي القسم الأكبر من حياتي، عندما كنت أستغرق يوماً بعد يوم في التأمل من دون أن يحدث شيء، ومن دون أن أحقق إتصالي بالله. كنت أستعيد كلمات ذلك اللص (لم أوفق بشيء هذا المساء، لكنني إن شاء الله سأعاود المحاولة في الغد) وكان ذلك يمنحني القوة والعزيمة على المواصلة، والتحدي.
 
أحدهم حضر إلى عنترة بن شداد وسأله: بماذا نلت هذه القوة؟
قال عنترة: بالشجاعة
قال له: وما هي الشجاعة؟
قال عنترة: الصبر
قال له: وما هو الصبر؟
قال عنترة: خذ إصبعي ضعه في فمك، وأعطني إصبعك وضعه في فمي، وكل منا يعض إصبع صاحبه! بعد قليل صرخ الرجل من الألم، فأخرج عنترة إصبع الرجل من فمه، وقال له: لو لم تصرخ أنت لصرخت أنا.
 
الدنيا تمارس معنا لعبة عض الإصبع، وكسر العظم. نحن لا صبر لدينا، ولا تحدي ولا قدرة على المواجهة. إن فشلنا في أول الطريق ألقينا أسلحتنا مباشرة، وجلسنا نندب حظنا. رحلة الحياة شاقة ومتعبة، ولا يمكن أن تعطيك كل ما ترغبه وتتمناه من المحاولة الأولى.
 
أنت الآن تضغط على مفتاح الكهرباء، بأقل من جزء من الثانية فتضيء غرفتك. كم كلف هذا من الوقت مخترع المصباح الكهربائي حتى تم ذلك؟ يقال أن أكثر من 2000 محاولة تجريب فاشلة قام بها أديسون حتى نجح في مشروعه. هو قال: أنا لم أفشل أبداً. أنا إخترعت المصباح في النهاية. لقد كانت عملية صناعته متعبة، ومؤلفة من 2000 خطوة كان عليّ إجتيازها جميعها، وقال أيضاً: إن ما حققته هو ثمرة صبر وتحدي. يشكل الذكاء منه 1% والمثابرة، والجد والعمل 99%.
 
لاعب كرة السلة بحاجة لعشرات الألاف من الرميات والمحاولات والتجريب، حتى يستطيع توجيه الكرة، لتدخل في الحلقة المعدنية المعدة لذلك ليحرز نقطتين أو ثلاثة نقاط.
 
أنت لن تصبح جنرالاً في الجيش إن لم تتدرج في الرتب.
أنت لن تصبح كاتباً وأديباً إن لم تقرأ آلاف الكتب.
أنت لن تصبح محاضراً وخطيباً إن لم تواجه الناس وتتعرق وترتبك وترتجف ويهتز جسدك.
أنت لن تصبح أنت إن لم تبحث عن ذاك الشيء الخفي، القوي، المميز في ذاتك، لتبني عليه فتكون أنت ومن يسجل إسمه في سجل الإنجازات.