مهارات التفاوض الاجتماعي

مهارات التفاوض الاجتماعي

06-01-2026 09:54 PM

تشهد الجامعات في مختلف أنحاء العالم تصاعدًا مقلقًا في مظاهر العنف، سواء كان عنفًا لفظيًا، جسديًا، أو رمزيًا. ومن المفترض أن تكون هذه المؤسسات فضاءات للحوار، وتبادل الأفكار، وبناء المعرفة، إلا أن الضغوط الأكاديمية، والتنوع الثقافي والفكري، وسرعة التغيرات الاجتماعية، تجعلها أحيانًا ساحات خصبة للصراع. في هذا السياق، تبرز مهارات التفاوض الاجتماعي بوصفها مرادفًا عمليًا لمهارات الحوار، وبديلًا إنسانيًا وسلميًا للعنف، وأداة أساسية لبناء مجتمعات جامعية أكثر أمانًا وتماسكًا.
يقصد بالتفاوض الاجتماعي العملية التي يدير من خلالها الأفراد خلافاتهم وتباين مصالحهم عبر التواصل والحوار بدلًا من الإكراه أو القوة. وهو ليس تنازلًا سلبيًا، ولا سعيًا لفرض الرأي، بل تفاعل واعٍ يقوم على التعبير عن المصالح، وفهم وجهات نظر الآخرين، والسعي إلى حلول مشتركة تحفظ كرامة جميع الأطراف. ويُعد التفاوض الاجتماعي جزءًا أصيلًا من المهارات الاجتماعية التي يستخدمها الإنسان يوميًا في حياته الأكاديمية والمهنية والشخصية، وإن كان غالبًا غير مرئي أو غير مُسمّى.
وتتداخل مهارات التفاوض الاجتماعي تداخلًا وثيقًا مع مهارات الحوار. فالحوار الحقيقي لا يقوم على الجدال أو الانتصار للرأي، بل على الإصغاء، واحترام الاختلاف، وبناء المعنى المشترك. وعندما يتعلم الطلبة الانتقال من أسلوب المواجهة والانفعال إلى أسلوب الحوار والتفاوض، فإنهم يكتسبون القدرة على احتواء الخلاف في مراحله المبكرة، قبل أن يتحول إلى صراع مفتوح أو عنف صريح. فالتفاوض يعيد تعريف الخلاف من كونه معركة بين أطراف متنازعة إلى كونه مشكلة مشتركة يمكن حلها بالتعاون.
وتُظهر الدراسات النفسية والتربوية أن غياب مهارات التواصل الفعّال يُعد من أبرز العوامل التي تدفع الشباب إلى السلوك العنيف. فعندما يعجز الفرد عن التعبير عن مشاعره أو الدفاع عن حقوقه بطريقة بناءة، قد يلجأ إلى العدوان بوصفه وسيلة بديلة. في المقابل، تساهم مهارات التفاوض في خفض مستويات التوتر والانفعال، وتمكين الأفراد من التعامل مع الخلافات دون تهديد أو تصعيد.
ولا يقتصر التفاوض الاجتماعي على تبادل الحجج العقلانية، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالذكاء العاطفي. فإدارة المشاعر، وضبط الانفعالات، والتعاطف مع الآخرين، كلها عناصر أساسية في أي عملية تفاوض ناجحة. فالطالب القادر على التحكم في غضبه، وفهم مشاعر الطرف الآخر، يكون أقدر على الوصول إلى حلول ترضي الجميع، وأقل ميلًا للاندفاع أو العنف.
وتُعد البيئة الجامعية تحديدًا بيئة حساسة للصراعات، نظرًا لما تشهده من تنوع ثقافي وفكري، وتنافس أكاديمي، وضغوط نفسية، إضافة إلى مرحلة الانتقال العمري التي يعيشها الطلبة. وتؤكد الخبرات التربوية أن العنف في الجامعات لا ينشأ فجأة، بل غالبًا ما يكون نتيجة تراكم سوء الفهم، وغياب آليات الحوار، وضعف مهارات التفاوض. ومن هنا، فإن الاستثمار في هذه المهارات يمثل استثمارًا وقائيًا طويل الأمد.
وتتسم مهارات التفاوض الاجتماعي بعدة خصائص أساسية، في مقدمتها الإصغاء النشط، الذي يعني الاستماع الحقيقي للآخر دون مقاطعة أو أحكام مسبقة. فالإصغاء يبني الثقة، ويخفف حدة التوتر، ويفتح المجال للفهم المتبادل. كما تشمل هذه المهارات القدرة على تبني وجهة نظر الآخر، والتعاطف مع مشاعره، حتى وإن لم يتم الاتفاق معه. ففهم دوافع الآخر لا يعني تبرير موقفه، بل يساعد على التعامل معه بواقعية وإنسانية.
ومن الخصائص الجوهرية أيضًا ضبط الانفعالات، فالتفاوض لا ينجح في أجواء الغضب أو الاستفزاز. كما يتطلب التواصل الواضح والحازم، أي التعبير عن الرأي والمصلحة بوضوح دون عدوانية أو تهديد. ويقوم التفاوض الاجتماعي كذلك على عقلية حل المشكلات، لا على منطق الغالب والمغلوب، حيث يتم البحث عن حلول مبتكرة تلبي احتياجات الأطراف المختلفة.
وتؤكد الأدبيات الأكاديمية أن تعليم مهارات التفاوض يسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي، وتقليل السلوك العدواني، وبناء علاقات أكثر استقرارًا داخل المؤسسات التعليمية. فالطلبة الذين يتقنون هذه المهارات يكونون أكثر قدرة على العمل الجماعي، وأفضل استعدادًا لسوق العمل، وأكثر وعيًا بمسؤولياتهم الاجتماعية.
أما عن كيفية تنمية مهارات التفاوض الاجتماعي لدى الشباب، فتبدأ بإدماجها في المناهج التعليمية، سواء من خلال مقررات مستقلة أو ضمن مساقات مهارات الاتصال والتفكير النقدي. كما تلعب الأنشطة التطبيقية دورًا محوريًا، مثل ورش العمل، والمحاكاة، وتمثيل الأدوار، التي تتيح للطلبة ممارسة التفاوض في مواقف واقعية وآمنة.
وتُعد برامج الحوار بين المجموعات المختلفة داخل الجامعات من أنجع الوسائل لتعزيز ثقافة التفاوض، حيث تتيح للطلبة من خلفيات متنوعة مناقشة القضايا الحساسة بأسلوب منظم ومحترم. كما تسهم برامج الوساطة الطلابية والقيادة الشبابية في ترسيخ قيم الحوار، وتحويل الطلبة من أطراف في النزاع إلى شركاء في الحل.
ولا يقل دور أعضاء هيئة التدريس والإداريين أهمية، إذ يشكلون نماذج سلوكية مؤثرة. فحين يدير الأستاذ الخلاف داخل القاعة الدراسية بالحوار والاحترام، فإنه يرسل رسالة تربوية عميقة تتجاوز محتوى المقرر. كما أن توفير مساحات للتأمل والتقييم الذاتي يساعد الطلبة على إدراك تطور مهاراتهم، والتعلم من تجاربهم السابقة.
إن أثر مهارات التفاوض الاجتماعي لا يقتصر على الحد من العنف داخل الجامعات، بل يمتد إلى المجتمع ككل. فالخريجون الذين يتقنون الحوار والتفاوض يصبحون مواطنين أكثر وعيًا، وقادة أكثر حكمة، وأفرادًا أقدر على إدارة الخلافات في أسرهم وأماكن عملهم. وفي عالم يزداد استقطابًا وتوترًا، تصبح هذه المهارات ضرورة حضارية لا ترفًا تربويًا.
وفي الختام، فإن تعزيز مهارات التفاوض الاجتماعي بين الشباب يمثل خطوة جوهرية نحو استبدال ثقافة العنف بثقافة الحوار. فحين يتعلم الطلبة أن الخلاف أمر طبيعي، وأن الحوار هو الطريق الأنجع لإدارته، تتحول الجامعة من ساحة صراع محتملة إلى مختبر حي للتعايش، والتفاهم، وبناء السلام الاجتماعي.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد