نهاية عصر القومية وبداية عصر الشبكات: قراءة في حرب اليمن

نهاية عصر القومية وبداية عصر الشبكات: قراءة في حرب اليمن

02-01-2026 09:00 PM


عندما أطلقت السعودية والإمارات عمليتهما العسكرية في اليمن عام 2015 تحت شعار "إعادة الشرعية"، بدا المشهد للوهلة الأولى كفصل جديد في سردية الوحدة العربية التي هيمنت على خطاب النخب السياسية طوال القرن الماضي.

السنوات اللاحقة كشفت عن مفارقة تاريخية عميقة : فما كان يُقدّم كعملية إنقاذ لوحدة الدولة اليمنية، تحول إلى مختبر حي لنهاية عصر القومية العربية كما عرفناه، وولادة منطق جديد للدولة ما بعد القومية في الخليج.

لقد مثّل اليمن مسرحاً لصراع هويات متداخل : شمالي مقابل جنوبي، قبلي مقابل مدني، محلي مقابل إقليمي , ولكن فوق هذا كله، ظهر صراع نموذجين من التوسع الإقليمي يعكسان تحولاً جوهرياً في مفهوم القومية العربية.

السعودية، بثقلها التاريخي وقلقها الأمني الوجودي من الحدود الجنوبية، انطلقت من منطق دفاعي تقليدي. كانت تدافع عن مفهوم الدولة الوطنية بصورته الكلاسيكية، حيث السيادة والحكومة المركزية والحدود المقدسة.

كان خطابها يستحضر روح مؤتمر الخرطوم 1967 بوعوده العربية المتضامنة، لكن أدواته كانت أدوات دولة قومية حديثة تخشى على أمنها من جار ضعيف متفكك.

في المقابل، انطلقت الإمارات من رحم مستقبل مختلف تماماً, لم تكن ترى في اليمن دولة يجب إنقاذها، بل فضاءً (جيو – استراتيجياً) يجب إدارته.

تحول اليمن بالنسبة لأبوظبي إلى مشروع طموح يرسم خريطة نفوذ جديدة : السيطرة على موانئ عدن والمكلا والصليف، وبناء القواعد العسكرية مثل قاعدة العند، وتعزيز وجود لوجستي يربط بين طموحاتها الإقليمية الممتدة من القرن الأفريقي إلى شواطئ جنوب آسيا.

كانت الإمارات تتجاوز مفهوم الدولة الوطنية بالقفز مباشرة إلى منطق شبكات النفوذ العالمي، متحولة إلى ما يشبه إمبراطورية تجارية حديثة لا تعترف بالحدود السياسية للقرن العشرين.

هذا الانقسام في الرؤية تجلى بوضوح صارخ في تعامل الطرفين مع جنوب اليمن, بينما كانت الجهود السعودية منصبة على المعارك في الشمال والدبلوماسية الدولية، شرعت الإمارات في بناء شبكة نفوذ متكاملة في الجنوب, قامت بتمويل وتدريب وتسليح تشكيلات عسكرية موالية لها مباشرة، متجاوزة مؤسسات الدولة اليمنية الرسمية.

دعمت بقوة المجلس الانتقالي الجنوبي، المنادي بالانفصال أو بحكم ذاتي واسع، واستثمرت في خطاب قومي جنوبي يعيد إحياء ذاكرة دولة الجنوب السابقة.

جزء من هذا الدعم كان مدفوعاً برغبة في مواجهة نفوذ التيارات الإسلامية، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، التي رأت فيها الإمارات تهديداً إيديولوجياً وإقليمياً.

هكذا تحول اليمن إلى ساحة توتر ضمن التحالف نفسه, فبينما تسعى الرياض إلى حل سياسي يحافظ على شكل من أشكال الوحدة اليمنية، تميل رؤية أبوظبي نحو دعم كيانات منفصلة تضمن لها هيمنة مباشرة ودائمة على السواحل الجنوبية.

هذا التناقض لم يكن مجرد اختلاف تكتيكي، بل كان تجسيداً للصراع بين عصرين: عصر القومية العربية الذي بنى أسطورته على التضامن بين العواصم العربية، وعصر ما بعد القومية الذي يرى العالم كشبكة من الممرات والموارد والتحالفات المرنة.

التناقض الأعمق يكمن في أن كلا البلدين كانا يستخدمان خطاباً قومياً عربياً بينما يمارسان سياسات تقوض أساس هذا الخطاب, فالسعودية تدعم حكومة "الشرعية" بينما تقبل بتقسيم فعلي للبلاد، والإمارات ترفع شعار "الوحدة اليمنية" بينما تبني تحالفاتها مع الانفصاليين الجنوبيين.

هذه الازدواجية تذكرنا بمصير المشروع القومي العربي نفسه، الذي انتهى إلى الدولة الوطنية شبه الفاشلة على هامش العالم المعاصر تحت شعارات الوحدة الكبرى.

المشهد في اليمن اليوم يختصر إذن قصة قرن كامل من أحلام القومية الجامعة في الخمسينيات، إلى صراعات الدول القومية في السبعينيات، إلى تفكيك هذه الدول تحت ضغوط العولمة والهويات الفرعية.

ما يحدث في اليمن ليس مجرد حرب أهلية، بل هو ساحة اختبار لنموذج جديد من الهيمنة الإقليمية، حيث تحل شبكات النفوذ الاقتصادي والعسكري محل الإيديولوجيات الكبرى.


في النهاية، يسجل اليمن لحظة التحول من عصر كانت فيه العواصم العربية تحلم بقيادة الأمة، إلى عصر جديد تتحول فيه هذه العواصم نفسها إلى مراكز قوى تتنافس على أشلاء تلك الأمة.

القومية العربية، التي وعدت بالتحرر والوحدة، تكشف في خريف عمرها عن حقيقتها الأخيرة : لغة قوية للتعبئة، وأداة مرنة للهيمنة، وذرائع لا تنتهي للحروب التي لا تُربح.

والسؤال الذي يبقى معلقاً: هل تؤدي استراتيجية النفوذ الجديدة، التي تعزز القوة عبر تمزيق النسيج الاجتماعي للدول، إلى إحلال استقرار دائم، أم أنها تساهم في تأبيد حالة من الفوضى تعود في نهايتها بالخسائر على الجميع، بما في ذلك مصممو هذه الخرائط الجديدة أنفسهم؟!


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد