بلدة طيبة ورب غفور

بلدة طيبة ورب غفور

06-01-2026 01:57 PM

في شرق يغلي، تختار دولة صغيرة لنفسها طريقاً ثالثاً: لا قانون بلا رحمة، ولا رحمة بلا قانون. هنا، وحيث تلتقي حكمة القيادة بصبر الشعب، ينشأ عقد أخلاقي غير مكتوب اسمه "الطيبة".
هذه الطيبة ليست ضعفاً، بل قوة نابعة من وعي عميق بأن الهدوء والسلام والإستقرار أغلى من الانتصار.
لطالما حول الأردن محن الجغرافيا إلى فن للعيش، فصارت واحة في صحراء الاضطراب، لا لأن أحداً لم يستفزه، بل لأنه اختار أن يكون رده دائماً أعلى من صرخات الغضب
منذ ذلك القرار التاريخي عام 2005، حين أطلق الملك عبد الله الثاني مشروعه لمكافحة الفساد؛ كسرت البلدة الطيبة قيود الصمت، في خطوة لم تكن إدارية فحسب؛ بل زلزالاً ثقافياً حوّل "الطيبة" من شعار إلى مسؤولية. لا حصانة، لا خطوط حمراء، ومحاسبة تصبح منهجاً.
باتت التقارير السنوية تتحدث بلغة الأرقام: 141 مليون دينار مستردة في عام واحد؛ مؤشرات نزاهة ترسم خريطة جديدة، أوراق نقاشية تحوّل المواطنة من حق إلى واجب. لم يعد "الغفران" مجرد كلمة، بل صار قراراً!
لكن -وكما هي العادة دائما- تمتد هوة بين القمة والقاعدة؛ فالصبر الأردني العظيم، ذلك الكنز الوطني، يتحول في أروقة بعض المكاتب إلى عملة غير ثمينة!
يُقرأ التسامح كتفويض، والرحمة كترخيص، وتُعاد تمثيلية الفشل بأسماء جديدة: مشاريع تتوقف فجأة، طرق تذوب مع المطر، وعطاءات تختفي لا بل تتبخر تحت أكوام الملاحق!
وتقرأ تقارير المحاسبة فكأنك تسمع دمدمة بعيدة: "احذروا، التراكم يقتل". لكن الصدى يضيع في الممرات الطويلة، قبل أن يصل إلى أذن تسمع!
لم تكن زيارة الملك لــ :"المستشفى" في أيام الوباء مجرد زيارة. لقد كانت صفعة على وجه التقليديين، وصرخة في وجه المقصرين: "لا نقبل بموت إنسان بسبب إهمال". جاءت كلماته واضحة كالسيف: المنصب تكليف لا تشريف، والمسؤولية أمانة لا هبة. كانت تلك اللحظة فاصلة بين عهدين: بين ثقافة "الله يصلح الحال" وثقافة "من المسؤول"؟
لكن المفارقة تبقى قائمة: كيف لبلد يصدر العقول إلى العالم أن يعجز عن إصلاح شارع في عاصمته؟ كيف لهذا العقل اللامع في المنفى أن يقبل بالترهل في الداخل؟ السر لا يكمن في الخطط، بل في آليات المحاسبة الغائبة، وفي "بيئة الحوافز" المقلوبة، حيث يكافأ المهمل بالصمت، ويعاقب المجتهد بالمزيد من العمل غير المرئي.
الأردن، بقيادته الهاشمية، هو بلد الهيمنة الأخلاقية بامتياز. نحن نطيع الدولة لأننا نحترمها، لا لأننا نخافها. وهذه أعظم نقاط قوتنا. لكن هذه الهيمنة تحتاج إلى دم جديد: عدالة صارمة، محاسبة شفافة، رقابة لا تعرف المجاملة، والقيادة التي تثق بشعبها لا تخاف من محاسبة مقصر، والشعب الذي يحب وطنه لا يقبل أن يتحول صبره إلى سكين على رقبة الوطن.
اليوم ونحن على مفترق الطرق، أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن ننتقل من إدارة الأزمات إلى منعها، وإما أن نظل ندور في الحلقة نفسها. المواطن لا يريد دولة بوليسية، بل يريد دولة عادلة، ولا يطلب انتقاماً، بل يطلب نظاماً. نظاماً يكافئ المجتهد، ويحاسب المقصر، ليس من باب العقاب، بل من باب الإصلاح.
"بلدة طيبة ورب غفور".. هذه الآية الكريمة التي حملناها شعاراً، يجب أن لا تتحول إلى دعاء للاستسلام. فالله غفور، لكنه أيضًا عادل. والعدل الإلهي لا يعني غياب المحاسبة، بل يعني إعطاء كل ذي حق حقه. الطيبة الحقيقية هي أن نكون أشداء مع أنفسنا قبل أن نكون أشداء مع غيرنا، أن نطبق القانون لأننا نؤمن به، لا لأننا مجبرون عليه.
اللحظة الآن ليست لحظة اتهام، بل لحظة وعي؛ وعي بأن صبرنا ثروة وطنية يجب أن تصان، وأن طيبتنا جوهر إنساني يجب أن يحمى.
البلدة الطيبة لن تظل طيبة إلا إذا تحولت إلى دولة عادلة؛ دولة يثق فيها المظلوم بأن ظلمه لن يمر، ويوقن المسؤول أن تقصيره لن ينسى!
حينها فقط، نستحق أن نكون كما أرادنا الله: بلدة طيبة لأناس طيبين، يحميهم نظام عادل، قبل أن يحميهم سيف قاهر؛ فالعدل ليس نقيض الرحمة، بل هو أساسها. والطيبة ليست عذراً للتقصير، بل هي الدافع للأفضل. وهذا هو التحدي الأكبر: أن نبقى طيبين، وألا نسمح لأحد أن يستغل طيبتنا. لأن الأوطان لا تُبنى بالطيبة وحدها، بل بالطيبة والعدالة معاً.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد