فايروس كورونا الضعيف القوي - د. حمدان الزبون

ما لبث العالم يلتقط أنفاسه بعد حربه على الإرهاب بإعلان مقتل زعيم تنظيم داعش الإرهابي، فإذا هو إمام تحدي من نوع جديد تمثل بظهور فايروس كورونا، وانا شخصيًا لست من انصار نظرية المؤامرة، وجدلية أن تولد فايروس كورونا كان تولدًا طبيعيًا، أم أنه جاء من حمل يشبه حمل أطفال الأنابيب، وبصرف النظر عن كلا الأمرين فإن هناك حقيقتان راسختان:

 الأولى: أن من الأمور المسلّم بها في عقيدة كل مؤمن أنه لا يتحرك ساكن، ولا يسكن متحرك في هذا الكون إلا بمشيئة الله تعالى.
الثانية: أن العالم أجمع يجد نفسة الآن أمام تحدي لا يقل خطره عن خطر الإرهاب الذي عانت منه شعوب العالم ردحًا من الزمن وما زالت.
 
إلا أنه ومنذ بدايات ظهور الفايروس في مدينة  ووهان الصينة التي تقول الاحصائيات أن عدد سكانها بحدود 60 مليون نسمة إلى يومنا هذا فإنه كشف عن مجموعة من الملاحظات  يمكن ايجازها بالآتي:
 
- الملاحظة الأولى أن هذا الفايروس عادلٌ في تعامله – لا امدحه لكنه هكذا يبدو- : إذ أنه آخِذٌ بالتوسع والانتشار في دول العالم شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا على حدٍ سواء؛ لم يفرق بين الدول القوية والضعيفة، لم يأبه بقوة إي دولة وما تملك من نفوذ سياسي أو عسكري، لم يخشى التعداد العسكري أو البشري للدول، كما أنه لم يكترث بما تملك الدول من ترسانة عسكرية وصواريخ عابرة للقارات، لم يقم أي وزن أو اعتبار للثقل السياسي التي تتمتع به بعض الدول وما تملك من نفوذ اقتصادي وثروات مالية، فضلًا عن أن هذا الفايروس لا يخشى أحد فيصيب الجميع الصغير والكبير، والذكر والأنثى، الحاكم والمحكوم, الوزير والغفير، يصيب المشاهير من ارباب السياسة والفن والرياضة، كما يصيب المغمور الذي لا يُعرفه اسمة، ولم ينتشر رسمه، فلا يقتصر في تحركاته على فئة معينة أوجنس محدد أو مذهب أو عرق أو دين. ((مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)).
 
- الملاحظة الثانية لفايروس كورونا أنه يمتاز بالذكاء: لا اتحدث هنا عن ذكائه في تلونه وتركيبته وقدرته على المراوغة، وقوة تأثيره فهذا يُترك لأهل الاختصاص من الاطباء. ولكن ما يدهش في هذا الفايروس أنه على الرغم مما تملكه بعض الدول من تقدم في البحث العلمي، وما توصلت إليه من تقنيات حديثة، واختراعات معقدة، واجهزة بالغة الدقة والتطور، وانظمة مراقبة صارمة، وحواسيب عملاقة غاية في السرعة والسعة، ومراكب فضائية إلا أنه لم يبالي بكل ذلك فها هو يواصل تقدمه ويقتحم كل جدران الحماية والمراقبة ويعيث فسادًا في أكثر دول الأرض تقدمًا وتطورًا، ويشل حركة الحياة  في شتى مناشط الحياة، متفوقًا حتى اللحظة على كل أجهزة الذكاء الاصطناعي التي توصل إليها الانسان. ((وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ )). 
 
- أن هذا الفايروس كشف ضعف الإنسان الذي انغرّ بربه، واعتز بإثمه، فأخذته نشوة التقدم العلمي والتقني إلى العبث في بعض السنن الكونية الثابتة بنصوص قطعية الثبوت والدلالة؛ فراح يعبث في هندسة خلق الإنسان وتركيبه الجيني والبيولوجي، ومستمر في سعيه للسيطرة على الفضاء (حرب النجوم ) في تنافس غير اخلاقي في أغلب الأحيان؛ ولا ضير في ذلك والإسلام حث على طلب العلم وهو السلطان الذي ينفذ من خلاله الإنسان إلى أقطار السماوات والأرض، إلا أنه ينبغي أن لا يحمل أصحابه على مناددة الله وتحديه، بل الأجدر أن يأخذ ذلك الانسان إلى الاعتراف بفضل الله عليه، وأنه سخر له ما انجزه. قال تعالى: ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ).
- والملاحظة الرابعة يمكن استخلاصها من مقولة رئيس وزراء إيطاليا - الذي انتشر الوباء في بلاده بصورة مرعبة-  جوسيبي كونتي " لقد انتهت جميع الحُلول على وجه الأرض، الحل متروك للسماء " فهذا الابتهال إلى الله تعالى يدحض جميع الدعوات التي تنادي بالعلمانية، وفصل الدين عن مجريات الحياة التي نادى بها كثير من أهل الأرض في الغرب والشرق، وأُعجب بها كثيرٌ من المسلمين، إلا أن (كورونا) جعل الإنسان يدرك حقيقة ضعفه وأنه صغير أمام سعة علم الله، وعظيم قدرته، فعاد قسرًا إلى رشده، وتصالح مع فطرته الإيمانية التي خُلق عليها، ليدرك أنه مهما بلغ من القوة والعلم فلا يصلح شأنه ويسعد حياته إلا الله خالقه، قال تعالى: (( وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ)).
 
- أما الملاحظة الخامسة أن انتشار وباء كورونا فرصة لعلماء العالم بعامة وعلماء العرب والمسلمين بخاصة لا جراء البحوث والدراسات والتجارب؛ لاكتشاف الدواء لهذا الداء لننفع أنفسنا وننفع البشرية جمعا، ولما لا فكل علوم الطب التي تزخر بها مكتبات العالم الحديث بُنيت على أفكار أطباء المسلمين الأوائل كابن سينا وابن النفيس وغيرهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنزل الله عز وجل داء، إلا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله.
 
- الملاحظة السادسة هي الطريقة التي ينبغي أن نتعامل بها  نحن بالأردن مع هذا الفايروس حيث أننا جميعًا مطالبون في مكافحته كل من موقعة فأنت/ي أخي وأختي في الوطن الحبيب على ثغر من ثغور الوطن فلا يؤتين من قبلك، والأجهزة المعنية كل في اختصاصه، والجميع مطالب بالالتزام بالتعليمات الوقائية، مقرونًا بالإنابة إلى الله والتضرع إليه أن يكشف عنا ما نحن فيه، وأن يجعله ابتلاء رحمة لا ابتلاء عذاب،((ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون)). ربنا احفظ بلدنا وقيادتنا وشعبنا والمسلمون والعالم.