الحرارة الجوفية للأرض كمصدر مهم للطاقة


الكاتب : محمد فندي

من المعروف أن الهنود الحمر كانوا أول من أستخدم الينابيع الحارة في طهي اطعمتهم قبل نحو 10 آلاف عام. في الوقت الحديث تقوم آيسلندا الواقعة على أطراف القطب الشمالي بإنتاج كامل حاجتها من الطاقة الكهربائية من مصادر الطاقة الحرارية الجوفية للأرض. تكتونيا، وقوع آيسلندا مباشرة فوق بؤرة حرارية جوفية للأرض كما هو الحال في هاواي وعلى حيد منتصف الأطلسي الذي يمتد من القطب الشمالي حتى القطب الجنوبي الذي يفصل الصفيحة اليوروآسيوية عن صفيحة أمريكا الشمالية وكذلك الصفيحة الأفريقية عن صفيحة أمريكا الجنوبية وهو ما يشكل نقطة ضعف في القشرة الأرضية، الأمر الذي ينشأ عنه تيارات حمل حرارية على طول هاذا الحيد تضغط في اتجاهين متعاكسين بما يؤدي إلى توسع المحيط الأطلسي وتباعد العالم القديم عن العالم الجديد في كلا الأمريكيتين. تباعد العالم القديم عن العالم الجديد على طول حيد وسط المحيط الأطلسي تم التيقن منه بما لا يدع مجالا للشك مغناطيسيا من خلال نتائج دراسة التعاقبية المغناطيسية.
كما هو الحال في هاواي الواقعة على بؤرة حرارية أرضية أيضا وسط المحيط الهادي التي أدت إلى تكون جزر هاواي، نشأت آيسلندا بفعل النشاط البركاني لبؤرة حرارية وسط شمال المحيط الأطلسي، حيث تتكون بيئتها الجيولوجية بالكامل من صخور البازلت البركانية. تنتشر في أيسلندا ينابيع المياه الحارة (Geysers) وهو ما مكنها من الحصول على الطاقة الحرارية الكافية للإستخدامات المنزلية بشكل عام كالتدفئة كونها منطقة باردة على مدار العام وكذلك إنتاج كامل إحتياجاتها من الطاقة الكهربائية.
في المناطق القارية من اليابسة تزداد درحة الحرارة مع العمق بمعدل 30 درجة مؤية كل 1000 متر في الظروف المناخية المعتدلة بعيدا عن المناطق شديدة الحرارة او شديدة البرودة او المناطق التي تقترب فيها الماجما كثيرا من السطح. هذه القيمة تتغير لكن بشكل طفيف من منطقة الى أخرى باستثناء منطقة اونتاريوا في كندا (Ontario) حيث معدل ارتفاع درجة الحرارة مع العمق يهبط الى 10 درجات سيلزيوس كل 1000 متر. حرارة المياه الجوفية على أعماق أكثر من 15 مترا طبيعيا لا تتأثر بالتقلبات الجوية سواء صيفا او شتاء ولا بالأنشطة الإنسانية. باطن الأرض يحتوي على طاقة حرارية كافية لتغطية احتياجات الإنسان بشكل كامل لكن العائق يكمن في التكاليف باهضة الثمن إذ يتطلب الأمر حفر الكثير من الآبار على أعماق كبيرة قد تصل الى 5 كيلومتر. يقدر ما تحويه الأرض حتى عمق 2 كيلومتر من طاقة حرارية ما يعادل ما ينتجه 250 مليار طن من الفحم الحجري.
خاصية إرتفاع درجة الحرارة مع العمق دفعت بعض الدول لإستغلال هذه الظاهرة من التباين الحراري بين سطح ألأرض واعماقها كمصدر مهم للطاقة يوفر على خزينتها مبالغ مالية كبيرة كانت مجبرة على توفيرها لإستيراد الطاقة من الخارج سواء كانت على شكل نفط أو طاقة كهربائية من الجوار من خلال شبكات الربط الكهربائي في سياق تحريك عجلة اقتصادها. هذه الطاقة الطبيعية متجددة، مستدامة وليس لها أضرار بيئية.
في هاذا السياق من الممكن استغلال هذه الظاهرة الطبيعية من التباين الحراري بين سطح الأرض واعماقها في التدفئة والتكييف‘ وذلك من خلال حفر آبار بعمق معين ينسجم مع معدل ارتفاع درجة الحرارة مع الأعماق وذلك بضخ المياه فيها واستعادة هذه المياه على هيئة بخار يتم تمريره عبر أنابيب تدفئة للمنازل ومختلف المؤسسات في اشهر الشتاء الباردة، مثل هذه المشاريع موجودة في العالم. مدينة غرينوبل الفرنسية الواقعة في الجزء الفرنسي من جبال الألب على سبيل المثال تستفيد من هذه الظاهرة من خلال مشروع تم تنفيذه لهذا الغرض حيث يتم تزويد مساكن هذه المدينة الصغيرة بالمياه الساخنة على مدار العام للإستخدامات المنزلية وللتدفئة شتاء سيما وأن هذه المنطقة شديدة البرودة شتاء. أما في ما يتعلق بالتكييف، من الممكن زيادة أعماق آبار التبادل الحراري بين السطح والأعماق للحصول على درجة حرارة أعلى تكون كافية لتحريك التوربينات التي تعمل على البخار لإنتاج الطاقة الكهربائية وبالتالي التكييف صيفا.


بعض المشاريع ولكن بمخرجات علمية وفنية تطبيقية جديدة بهذا الخصوص تم عرضها ويجري بحثها في البلدان التي تتميز بأجواء حارة، خاصة تلك البلدان التي لا تهبط فيها درجة الحرارة كثيرا في الشتاء مقارنة مع البلدان الواقعة على خطوط عرض فوق 40 درجة شمالا أو حتى المدن الواقعة على إرتفاعات كبيرة نسبيا عن مستوي سطح البحر بهدف الإستفادة من هذه الظاهرة الطبيعية. هنا تقترح هذه المشاريع لإستغلال مياه الأحواض المائية التي يقل عمقها عن 15 مترا في التبريد صيفا والتدفئة شتاء، سيما وأن المياه الواقعة على هاذا العمق لا تتأثر بالحرارة على السطح وتبقى درجة حرارتها باردة نسبيا وثابتة طوال العام . تقترح هذه المشاريع أن يتم ضخ مياه هذه الأحواض المائية من خلال أبار تحفر لهذا الغرض في الأبنية والمنشآت للتبريد وتمرير الراجع من هذه المياه الدافئة نسبيا بفعل التبادل الحراري للإستخدامات المنزلية وإعادة حقن المتبقي من هذه المياه من جديد في الأحواض المائية لكن هناك امكانية واضحة لتلوث الأحواض المائية على المدى البعيد سيما وأن هذه الأحواض المائية الجوفية تمثل مخزون مائي استيراتيجي للدول الفقيرة في مياه الشرب.


ربما يتسائل البعض من أين تحصل القشرة الأرضية على هذه الحرارة المتزايدة مع الأعماق. القشرة الأرضية تحصل على هذه الحرارة من عدة مصادر، المصدر الأساسي لهذه الحرارة ناجم عن التفاعل النووي للعناصر المشعة مثل اليورانيوم والثوريوم في سياق استقرارهما النووي اللذي يحتاج إلى ما لا يقل عن 9 مليار عام لتتحول هذه العناصر إلى الرصاص. العناصر كالحديد والنحاس مثلا كانت في ما مضى عناصر مشعة لكنها استقرت بعد ثبات تركيبهما الذري واستقرار خصائصهما الفيزيائية والكيميائية. الزلازل والبراكين وعمليات بناء الجبال بدورهما تساهم في حرارة القشرة الأرضية عبر نقل الحرارة من طبقة الستار العلوي للأرض (Upper mantle) إلى القشرة الأرضية بالإشعاع الحراري.