قراءة في الحراك الأميركي

الكاتب : محمد الرميحي

ما أن بدأ الحراك المطالِب بالمساواة في الحقوق المدنية في أميركا، وانتشر في عدد من الولايات جراء مقتل جورج فلويد، حتى بدأت التفسيرات المختلفة من جانب كُتاب ومعلقين عرب لتفسير هذه الظاهرة. قراءة بعض العرب للأحداث تستحق التوقف، لذلك سوف أعرض في هذه المقالة لفكرتين؛ الأولى القراءة التي انتشرت في فضائنا العربي، ومعظمها قراءة أحداث قليلة الارتباط بأسبابها، والثانية مقاربة لفهم الصورة الأوسع، أي ربط الأحداث بأسبابها.


الأولى؛ هناك قراءة «منتشية على قاعدة العاطفة» ترى أن الأحداث بداية انهيار الولايات المتحدة، وهي الفصل الأخير فيما قبل الانهيار، بل ذهب البعض إلى القول «إنه إشعاع تعليمات روح الله الخميني» أخيراً وصلت إلى الولايات المتحدة، ما بقي هو أن يبحث الأميركان عن ولي فقيه. وذهبت بعض القراءات إلى أبعد من ذلك، فقال البعض: «انظر إلى الحشود الضخمة في المظاهرات، وكثير منهم دون كمام واقٍ» يعني في رأي هذا البعض أن «كورونا» كذبة غربية كبيرة، لذلك يجب ألا نصدقها، وعلينا أن ننطلق في حياتنا العادية، هذه الفكرة وجدت لها صدى لدى البعض؛ حيث تبدو منطقية لأول وهلة، ولكنها ليست كذلك.


وروّج بعضٌ لفكر «أقرب إلى الطنين»، وهو أن كل ما حدث ليس سوى انتقام، فأمام تحيز ترمب لإسرائيل، وصفقة القرن الأكثر تحيزاً، لم يستطع أن «ينتقم» إلا صاحب المحل الفلسطيني الذي قدم له جورج فلويد ورقة الـ20 دولاراً المزورة، التي أطلقت شرارة كل ذلك العنف، إنه انتقام للفلسطينيين!


واحد من التحليلات التي دارت بشكل واسع بين قراء العربية في وسائل التواصل كانت بعنوان «اللحظة السوفياتية في أميركا» حُمّلت بالكلام الشعاراتي، أن ما يحدث في أميركا هو بالضبط ما حدث في آخر أيام الاتحاد السوفياتي. تلك ظواهر في التفسير ملتصقة بالعواطف، ومن الصعب التخلص من آثارها باتجاه التفكير المنطقي!


القراءة الثانية، وهي في رأيي أكثر اتزاناً وأقل تحيزاً، أن ما حدث من مظاهرات كان لأسباب عميقة تتفاعل في المجتمع الأميركي منذ فترة، وتُسمع أيضاً في المجتمع العالمي، وتحمل أزمة مكتومة للنظام الاقتصادي «العولمي» المعقد، الذي فرض علاقات شوهاء لم توضع لها حتى الآن شروط وحدود متوازنة، تضبط هذا الانفجار المعرفي والاقتصادي، كي تكون أقرب إلى الإنصاف في داخل كل مجتمع، وبين المجتمعات.


في عالم لا فكاك من عولمته، كانت العوامل تتراكم، ومثل غيرها من أحداث التاريخ تحتاج إلى «شرارة» توقد الحريق، وقد كان الاتكاء على رقبة جورج فلويد «الذي لم يكن امرأة قيصر» تلك الشرارة، وحولته إلى بطل في لحظة واحدة؛ حيث شدُه العالم وهو ينظر إلى تلك الركبة على الرقبة ويحسب دقائقها وثوانيها، ننسى أنه لولا «التقنية المعلوماتية» وهي كاميرات صغيرة مثبتة في جهاز تليفون نقال، لما عرف العالم بالحدث، ومرّ كغيره من الأحداث الجسام الذي يذهب ضحيتها آلاف البشر يومياً، ولكن بعيداً عن الكاميرات السحرية، وبعيداً عن الأزمات الخانقة.

الأسباب العميقة أن المجتمع الأميركي، وهو 330 مليوناً من البشر، الثالث في حجم السكان في الترتيب العالمي بعد الصين والهند، ومكان التقنية والابتكار منذ عقود، وجد نفسه تقريباً في بندول سياسي «رائح قادم»، بين يسار مثالي (إدارة أوباما) وبين يمين «أناني» (إدارة ترمب)، وكلتا الإدارتين في تعاقبهما كانتا نتاج صناديق انتخاب لأغلبية، ليس لها كثير من الاهتمام غير معيشتها المباشرة، فقد نشرت إحدى الدراسات منذ فترة أن 15 مليون أميركي يعتقدون أن «الشوكولاتة بالحليب» تأتي من البقرات ذات اللون الداكن! لذلك، فإن الانتخابات في الولايات المتحدة، وربما في معظم الدول الديمقراطية، هي صناعة لها متخصصوها، كمثال... فإن ما كتب عن الحملة الانتخابية للرئاسة الأميركية الأخيرة 2016 التي تنافس فيها كل من هيلاري كلينتون ودونالد ترمب قد يثير العجب، فاللجنة المركزية للحزب الجمهوري تحتفظ في كومبيوترها المركزي بملايين الأسماء (المؤيدين للجمهوريين) ليس فقط الأسماء، ولكن العناوين ونوع العمل الذي يقوم به المواطن، حتى نوع سيارته وإلى أي المدارس يأخذ أبناءه! إلى هذه الدرجة الانتخابات صناعة، وكلما تطور الزمن تقدمت تلك الصناعة وتعقدت، كما أنها تتطلب أموالاً ضخمة من أجل التحشيد والإقناع. الموضوع الاقتصادي له مكانة كبرى في تقرير التوجهات الانتخابية، بقية الأمور متروكة للنخب، وهي نسبياً قليلة ومحترفة وموجودة في الفضاء الإعلامي والثقافي والسياسي.


جائحة «كورونا» أصابت الاقتصاد الأميركي في مقتل، وهو الذي كان فخراً لإدارة ترمب ومركز الثقل في حملته الانتخابية، فأضحى 40 مليوناً من العاملين في قطاعات كثيرة عاطلين يطالبون بإعانات مالية، وضخّت الخزانة الأميركية مبالغ طائلة وغير مسبوقة تاريخياً لمحاولة التخفيف من الضغوط الاقتصادية المتصاعدة. الجائحة والبطالة ساهمتا في خلق كل هذا التوتر الذي نراه على شاشات التلفزيون، صاحبته مناصرة من مجتمعات أخرى وجدت في سياسة ترمب الخارجية عدم استقرار، مثل «المدفع فاقد التحكم» مع الأصدقاء والحلفاء، ومع المخالفين والأعداء، وذلك تأكيداً للعولمة، لا نفياً لها.


بوصلة ترمب التي أعتقد أن ناخبيه يفضلونها هي الاقتصاد وجلب الوظائف وتحفيز الصناعة الأميركية، من دون حساب كثير للنتائج غير المحسوبة لمثل هذه السياسات على الاقتصاد الأميركي «المعولم»، حتى القطاع الزراعي الأميركي الذي خسر كثيراً في السنوات الأخيرة.
شخصية ترمب زادت من أسباب التذمر، فهي شخصية تتوجه إلى تبخيس الآخرين أشياءهم. ليس هناك نقص في الفضاء الأميركي الثقافي والسياسي في نقد سياسات دونالد ترمب، والإشارة إلى كثير من هفواته، بل مخاطر بعض سياساته وطريقة إدارته الأمور العامة التي كما يظهر لا يهتم فيها كثيراً لسماع رأي الخبراء، بناء على قناعة زرعها بعض مساعديه (اتركوه على سجيته، فهي التي تكسب الأصوات)، كل ذلك خلق فرصة سياسية للتصويب على الإدارة، من خلال شخص الرئيس. إلا أن الحقيقة الشاخصة أن المؤسسات في الولايات المتحدة أقوى وأبقى من الأشخاص، بنجامين فرانكلين أبرز مؤسسي الولايات المتحدة في القرن الثامن عشر سُئل، وهو خارج من نقاش وضع الدستور، هل هي ملكية أم جمهورية؟ قال؛ هي جمهورية إن استطعتم الحفاظ عليها، كناية عن أنّ وعيكم سوف يقرر منع الانزلاق إلى الشمولية بالحفاظ على المؤسسات. بالتالي فإن المؤسسات سوف تفشي سرها في نهاية المطاف، وهي مؤسسات تشكل تحت ظلها أهم الحركات الاجتماعية في عصرنا.
آخر الكلام...


ما يقلق هو وقوع كثيرين أسرى الخطاب الصادر عن الذات والموجه إليها، ما يعظم العزلة المعرفية في زمن ثورة الاتصال!!